فضيحة في الـ «نيويورك تايمز»
تعتبر نيويورك تايمز من أكبر الصحف الأمريكية، وقد قدمت يوم الأحد في 11 أيار/ مايو ۲۰۰۳ اعترافاً بالذنب واعتذاراً من القراء والزملاء، بسبب لجوء أحد محرريها، ويدعى جيسون بلير (٢۷ عاماً) إلى اختلاق وتلفيق وتزوير وسرقة عدد من تحقيقاته الصحافية، وذلك في مقالة من أربع صفحات، تصدرت الصفحة الأولى (أكثر من سبعة آلاف كلمة) وكانت الصحيفة تعرضت لحملات اتهام من صحف أخرى بأنها تحاول إخفاء القضية.
وكلفت خمسة من محرريها التقصي بدقة عن النشاط المهني لبلير الذي سبق واستقال قبل ثلاثة أشهر من اكتشاف فضائحه، حيث تبين من التحقيق أنه «اختلق تفاصيل لم تحدث في 36 مقالة من أصل 73 مقالة منذ أن تم تكليفه بتغطية الأخبار المحلية الأمريكية، وتحتوي المقالات أخطاء في الواقع، كما في أخلاقيات المهنة».
وبعد أن قدمت الصحيفة اعتذارات إلى كل القراء والصحافيين الذين سرق منهم الصحافي المدان مقالاتهم، قالت معلقة: «إن الضرر الذي سببه للصحيفة
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣٥٢
والعاملين فيها لن يمحى كلياً الأسبوع المقبل أو الشهر المقبل أو حتى الأعوام المقبلة»
في تداعيات القضية ـ الفضيحة
١- استقال مدير تحرير الصحيفة هويل رينز والمحرر الإداري جيرالد بويد وكان الأول قاد الصحيفة إلى النجاح، ودفعها إلى الفوز بسبع جوائز بوليتزر محطمة الرقم القياسي لكنه لم يتمكن من تصحيح الوضع الناجم عن فضيحة بلير، وكانت استقالته مع زميله «بمثابة القبول الرسمي بمسؤوليتهما» عنها.
٢- اعتبرت الصحيفة أن نقص التحاور بين مسؤولي التحرير أسهم في هذه الفضيحة.
٣- أعادت النظر في وسائلها للتأهيل المهني وكتابة التحقيقات وأخلاقيات المهنة.
٤- تراجع أفضلية الصحيفة درجات عالمياً، وفقاً للاستطلاع الذي أشرت إليه سابقاً.
٥- بدأت الصحيفة مهمة صعبة لاستعادة صدقيتها، باعتبار أن الصدقية من أهم الأسس التي تقوم عليها الأخبار
بصرف النظر عن العقوبات القانونية، خصوصا بعد صدور قوانين حماية الملكية الفكرية، فإن المؤسسات الإعلامية غالباً ما تلجأ إلى صرف المندوب أو كاتب العمود الذي يسرق من زملائه من دون الإشارة إلى المصدر.
ولكن المسألة الخطيرة هي مناقشة الأسباب والنتائج الآيلة والمترتبة عن تدهور القيم الأخلاقية، وعدم احترام الأدبيات المهنية التي تنظم عمليات الاقتباس من مصادر مختلفة، ومن بينها المصادر الصحافية نفسها، مع توصية بقلة الاقتباس لئلا يتجمد الصحافي، كما يوصي الصحافي في صحيفة نيويورك تايمز نفسها جيمس ريستون (James Reston)
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣٥٣
تثير النماذج الثلاثة التي عرضتها وناقشتها عـدداً من المسائل المهمة حول أخلاقيات الإعلام: مصدر المعلومات؛ سرية المصادر وإشكالياتها القانونية والأخلاقية؛ تدخل الحكومات في وسائل الإعلام وانعكاساته على الحرية الإعلامية في أكثر الدول التزاماً بحرية التعبير واحترام الرأي العام؛ ثم ضعف أو انعدام الالتزام الخلقي عند الصحافيين، وآثاره المدمرة في سمعة الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية؛ كما أنها تعمل على إغناء الجدل والحوار. ما خلصت إليه يتصل بالحاجة إلى تطوير أطـر الـمـواثيق الإعلامية لتشمل الحكومات، وهيئات المجتمع المدني، بحيث لا تقتصر على المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها، وتحييد المبادئ الأصلية للمهنة كالصدق، وتوخي الحقيقة، والاستقامة، عن المصالح المالية والسياسية للمؤسسات والحكومات، ولا سيما في أوقات الأزمات والحروب، وتحديد أطر أوضح لمفهوم «المصالح العليا» الأمنية أو القومية للدولة.
من الممكن أن نفهم عدم إمكانية عزل الصحافة عن مكونات وتطورات العوامل المؤثرة في المجتمع والسياسة والإقتصاد من دون أن نقبل تبرير التجاوزات التي تحدث تبدلاً في وظيفة الإعلام الحر، ودوره في توصيل المعلومات والحقائق، وتشكيل الرأي العام، وفقاً لمعايير تجعله قادراً على المراقبة والمحاسبة.
وعلى الرغم من أن الحالات ـ النماذج الآنفة الذكر هي حالات واقعية، وليست افتراضية، إلا أن مقاربة موضوع الإعلام والأخلاق لا بد من أن تنطلق من وجهة نظر فلسفية لتحديد أكثر شمولية ودقة لما يمكن وصفه بالسلوك الأخلاقي أو اللاأخلاقي في العمل المهني، وما هي مكوناته من المنظار الاجتماعي والسيكولوجي، وحتى الاقتصادي والسياسي، مع الأخذ في نظر الاعتبار التحولات الهائلة التي طرأت على الاقتصاد والسياسة عشية دخول البشرية الألفية الثالثة، من ترنّح مشاريع العولمة إلى أحداث 11 أيلول/ سبتمبر ۲۰۰۱ ومجريات حرب العالم الصناعي الإمبريالي ضد ما يسمى «الإرهاب» المتفجر من آسيا إلى أوروبا وأمريكا.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣٥٤
