السوق والتسويق وصناعة الخبر
تعتقد النظرية الليبرالية التقليدية أن الملكية الخاصة لوسائل الإعلام تحافظ على استقلاليتها عن السيطرة الحكومية، وهو ما يساعدها على تأدية دور السلطة الرابعة بشكل فعال. كما أن الطبيعة التنافسية للسوق ستسهم دائماً في ظهور مقاربات جديدة عبر منابر إعلامية بديلة تتنافس بعضها بعضاً بطريقة تمنح المتلقي ـ المواطن خيارات متعددة ووجهات نظر مختلفة تتقارع بمنطق جدلي هدفه الإقناع الإيجابي.
بهذه الطريقة، تكون وسائل الإعلام قد قامت بدورها المفترض كحيز للحوار العام؛ أمر قد نرى نماذجه في كثير من البلدان الديمقراطية، لكن تقيد بحدود معينة هذه الرؤية الليبرالية المثالية. وإذا لم يكن الجميع قادراً على أن يدرك هذه الحدود أو أن يتجاوز بفكره ما يتداول في الحيّز الإعلامي، فإن آخرين يدركون أن وسائل الإعلام الجماهيرية غالباً ما تقوم بدور منتدب كوكيل لسلطة أو لقراءة فكرية معينة، بدون أن يعني ذلك إغفال حقيقة أن نمط «الوكالة» هذا أكثر تعقيداً في المجتمعات المتقدمة عنه في البلدان النامية، لا سيما البلدان المحكومة بأنظمة شمولية أو سلطوية تستغل الإعلام عادة في عملية التنشئة الأيديولوجية، أو غرس قيم الطاعة والرضوخ، أو في أبسط الأحوال تكريس حس عدم المبالاة السياسية لدى المتلقي. وقد رأينا نماذج لهذا النمط في الديكتاتوريات العربية التي غالباً ما استخدمت، وما زال بعضها يستخدم عبر إعلامه الرسمي أنماطاً ساذجة من الرسائل الإعلامية، التي يغدو فيها الدور التمثيلي الذي يؤديه الإعلام لصالح السلطة جلياً وغير قابل للمساءلة، لكننا شهدنا منذ ثورة الأقمار الاصطناعية (الساتيلايت) تحولاً نوعياً تمثل في ظهور القنوات الفضائية الجماهيرية ذات الصفة غير الرسمية، والممارسة لدور الوكالة بطريقة أكثر تعقيداً تحاكي ما يجري في وسائل الإعلام الغربية، فنجحت عادة في جذب انتباه الجمهور بعيداً عن قنواته الرسمية المحلية، لا سيما عند تعلق الأمر بالقضايا الخارجية والصراعات الإقليمية.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٠
هنا لا أود الذهاب بعيداً إلى حد مشاركة مارك لينش تفاؤله «البريء» حيال نجاح تلك القنوات في أن تصبح «صوتاً للجمهور العربي»، إلا بقدر ما يعني ذلك أنها أسهمت في الحد من خضوعه لسطوة الرسائل الإعلامية الرسمية، لكن ليخضع لسطوة من نمط آخر هي سطوة الرسائل التي تمثل (عبر طرق التمثيل الأكثر تعقيداً واحترافية) مصالح إقليمية أوسع.
ولذلك، نرى الممولين والساندين الحقيقيين لتلك القنوات، وهم أثرياء رسميون أو شبه رسميين، يتفاوضون عبر الحكومات حول نمط التغطية الإعلامية (كما في حال مباحثات الحكومتين القطرية والسعودية بشأن تغطية قناة الجزيرة للمواقف السعودية).
البعض يرى أن علاقة وسائل الإعلام بالملكية الاقتصادية لا يمكن أن تفهم إلا عبر نموذج الاقتصاد السياسي، وهؤلاء يجادلون بأن الملكية الخاصة ستنتهي إلى تراكم السيطرة الإعلامية في أيدي فئة قليلة من المالكين ما سينتج نوعاً من الاحتكار المالي – الإعلامي، وبالتالي سيصبح حيز الحوار العام ضيقاً ومقتصراً على أجناس محددة من المواقف ووجهات النظر، أما الرؤى المهمشة أو البديلة فلن تكون قادرة على إسماع صوتها بسبب الافتقار إلى الموارد والتوزيع غير المتساوي للسلطة داخل المجتمع.
إن وسائل الإعلام الإخبارية خضعت للكثير من عمليات الاستقطاب والاندماج والتفكك نتيجة العولمة الاقتصادية المتزايدة، ورصد البعض اتجاهاً واضحاً نحو تركيز الملكية بطريقة منحت بعض كبار المستثمرين في اقتصاد وسائل الإعلام قدرة احتكارية عالية، وبحسب بينيت فإن أول تأثير لهذا السلوك الاحتكاري سيتمثل في إخراج وسائل الإعلام الصغيرة التي تمثل قيماً غير تجارية من ساحة التنافس، بل
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦١
إن المالكين سيتمكنون من استبعاد أو السيطرة على أي نوع من الأخبار التي قد تؤثر سلباً في مصالحهم التجارية أو تلك التي تسائل النظام الاجتماعي ـ السياسي الذي منه استمدوا نفوذهم وقوتهم.
لنتذكر هنا الدور الذي قام، ويقوم به روبرت موردوك عبر سيطرته على طيف واسع جداً من وسائل الإعلام عالمياً إلى درجة اضطرت توني بلير إلى عقد اجتماع معه لكسب وده عندما كان يسيطر على صحيفة الصن، وعندما كان بلير يشرع في إعادة تأهيل حزب العمال لخوض الانتخابات في منتصف التسعينيات وهناك أيضاً رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني الذي نجح بفضل إمبراطوريته الإعلامية في إنتاج تأثير غير مسبوق في السياسات الإيطالية وفي تأمين الفوز الانتخابي لحزبه مرتين، بل وفي حجب كثير من الفضائح الشخصية التي طاولته ولا تجدها سوى في الإعلام المعارض الذي لا يحظى بالنفوذ نفسه والذي دأب بيرلسكوني على التشكيك في مصداقيته عبر وصفه بالإعلام الشيوعي! وقد كان الصحفي الأمريكي ليترمان واضحاً عندما كتب « ليس المراسلون ولا المحررون هم من يقرر نوعية الأخبار وإنما هم مالكو وسائل الإعلام».
من هنا، كانت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ظاهرة استثنائية ولافتة، على الأقل في العالم الأنغلوسكسوني، من حيث كونها مؤسسة إعلامية ممولة من المال العام وغير خاضعة لسيطرة الحكومة، وهو ما يمكنها من أن تقدم في الكثير من الأحيان نسخة رصينة من القراءة الإخبارية والمتابعة الإعلامية المتحررة من ضغط مصالح المالكين والمعلنين والسياسيين البريطانيين، لكن مثل هذا النموذج قد لا يكتب له النجاح إلا في ظل نظام ديمقراطي راسخ. إن وسائل الإعلام الخاصـة تـحـاول تجنب أي نوع من التغطية التي قد تزعج المعلنين فيها وتدفعهم إلى النفور منها؛ فبالنظر إلى أنها مؤسسات ربحية، فإنها تحتاج إلى المحافظة على جاذبيتها الإعلانية وعلى قدرتها التنافسية كهدفين يعزز أحدهما الآخر. وفي الحقيقة يمكن الـشـعـور بتأثير الـعـامـل الاقتصادي حتى عند التعامل مع الجوانب التقنية لعملية إنتاج الخبر؛ فمؤسسات وسائل الإعلام العملاقة اليوم بحاجة إلى الحفاظ على سمعتها عبر جذب أكبر عدد من المتلقين وما يعنيه ذلك من جذب المعلنين والمستثمرين، الأمر الذي يتطلب، من بين أشياء كثيرة، إنتاج سلعة خبرية تحظى بمعدل استهلاك عـال؛ فالقنوات التلفزيونية والصحف الواسعة الانتشار تبيع
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٢
الوقت والحيّز للمعلنين الذين يحاولون في الوقت عينه شراء اهتمام المتلقي، بل إن وسائل الإعلام تقوم في حقيقة الأمر، كما يرى وينتر المتلقي إلى المعلنين. والتنافس المتزايد يؤدي بدوره إلى اندفاع وسائل الإعلام الإخبارية نحو تقنيات ومناهج تستهدف الربحية والجذب التجاري وتربط جدارة الموضوع الخبري بالقابلية على الجذب؛ فالأخبار تؤطر وتقدم كأية سلعة معروضة للبيع، ومن هنا تلتقي الاعتبارات التقنية المتعلقة بالوقت والحيز والتكنولوجيا مع الاعتبارات التجارية، في مزاوجة تمنح الأفضلية لنمط إخباري يقوم على السطحية، والشخصنة، والتفكك، والسرد الدرامي إن الأخبار، بحسب مانـهـایـم، ليست ظاهرة تلقائية، بل هي عملية تشكيل وصياغة تتم بمهارة وفاعلية، وبطريقة تأخذ في الاعتبار احتياجات واهتمامات المراسلين والمؤسسات الإخبارية؛ فكم من أحداث دولية يتم تجاهلها لأنها لا تحمل عنصر الجذب أو لا تلتقي مع تلك الاهتمامات، أو ربما بسبب ارتفاع تكلفة إنتاجها. إن علاقة الخبر بالمتلقي أو المستهدف وتجاربه وميوله تمثل عنصراً حاسماً في تقرير القيمة الخبرية. أضف إلى ذلك ما يحمله الخبر من بعد درامي أو عنصر إثارة، فوسائل الإعلام تتعامل بحماسة شديدة مع الأحداث الدولية ذات الطابع التهديدي إلى الحد لذي تتحول فيه إلى أدوات تعبئة من تلقاء نفسها، لكن تعاملها مع تلك الأحداث يكون في العادة سطحياً ومستعجلاً ومنشداً إلى التسلسل القصصي، خشية أن يصاب المتلقي بالملل فيتجه إلى مصدر إعلامي آخر. أما إذا وقع الحدث في مكان بعيد أو لا يحظى بأي اهتمام من المتلقي، يتم تجاهله أو يتم تقديمه بلا حماسة أو انفعال يضاف إلى ما تقدم أن القضايا الاجتماعية أو السياسية العميقة، أو المعقدة أو غير الطيعة للمعالجة الدرامية، غالباً ما تفلت من العين الإعلامية، فتصبح وكأنها لم تكن في عالم باتت قيمة أحداثه تقترن إلى حد كبير بكيفية طرحها وتداولها إعلامياً، بحيث صار خبراء العلاقات العامة يقومون بالدور الرئيسي أحياناً عند التجهيز لحدث ما، لأن
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٣
” مع النقاش ينصب على كيفية إخراج الحدث أكثر مما ينصب على محتواه. الأسوأ من ذلك هو ما له علاقة بحقيقة أن تغطية الأخبار الدولية مكلفة اقتصادياً، وليست جذابة كثيراً بالنسبة إلى المتلقي المحلي، وهو ما يدفع المؤسسات الإخبارية، استثناءات قليلة، إلى إرسال مراسليها إلى العواصم المهمة. ولا حاجة إلى القول إن تحديد هذه العواصم هو عملية اختيار تمليها اعتبارات سياسية وثقافية واقتصادية وأيديولوجية، إن العالم غير المغطى إعلامياً سيبدو، وببساطة، وكأنه غير موجود، والمعاناة غير المنقولة كاميرا التلفزيون غالباً ما تكون غير مسموعة للعالم؛ فحتى الضحايا بحاجة إلى أن يكونوا في المكان والزمان الصحيحين من أجل أن يعرف العالم بوجودهم، أو ربما بموتهم. وليس ذلك إلا جزءاً من عملية منتظمة نتاجها حرف الواقع، وإنتاج واقع مواز يصبح عبر تسليعه الإعلامي أكثر حقيقة من الواقع الأصلي يقول سريبيرني وباترسون في حديثهما عن التغطية الإعلامية للحروب إن ليس هناك شيء أكثر تضليلاً من تغطية الصراعات الكبرى من على سط الفنادق الراقية؛ فالمسافة بين المكان الحقيقي للحدث وموقع المراسل غالباً ما تكون بعيدة جداً، وهو ما يوسع الفجوة بين ذلك الحدث، كما حدث فعلاً، وروايته المنقولة إعلامياً. وبالقدر ذاته من التضليل، وربما أكثر، تكون نتيجة الدور الذي يقوم به المراسلون المرافقون للقطعات العسكرية، لأنهم يخضعون لرقابة المؤسسة العسكرية وتقيد حركتهم بقيود الاعتبارات الأمنية للجيش، كما أنهم في النهاية لا يغدون سوى مندوبين لطرف واحد ضمن مواجهة فيها طرفان وربما أكثر، إذا ما أخذنا السكان المدنيين في الاعتبار. إن اللغة الغريزية والمثيرة والمقرونة بنغمة الصوت المتكيفة مع إيقاع الحدث التي تحكم الصيغة الخبرية بدلاً من التحليل العميق.
الأخبار المهمة عادة ما تكون حول «العاجل جدا» و«السهل جداً» و«الخطير جداً» و«المسلي جدا». والجدوى الخبرية تتحدد من خلال المعايير الإنتاجية والتسويقية، ومن خلال القدرة على التمثيل الصوري للحدث. الوسائل المعتمدة في غرفة الأخبار تقرر صلاحية حدث معين لكي يقدم كخبر، وهذه الصلاحية مقرونة بارتقاء الخبر إلى تلك المعايير؛ فعندما تتصاعد هي
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٤
أزمة خارجية مثلاً، تميل وسائل الإعلام إلى التركيز بقدر أكبر على الأشخاص المنخرطين، وبقدر أقل على الجذور العميقة للمشكلة، فتغدو القضية كأي مسلسل درامي يقوم على الصراع بين الأخيار والأشرار (لنتذكر هنا الحرب الأمريكية على الإرهاب، وشخصنتها للأشرار في أسامة بن لادن، وتبسيطها المفرط لظاهرة الإرهاب ولطبيعة الصراع مع مقاتلي القاعدة وفق مبدأ : اقتل الأشرار). ليس مفاجئاً عندها أن نرى وسائل الإعلام منهمكة بمتابعة قضية شخصية لأحد المشاهير في الوقت الذي تقع حرب أهلية دموية في أحد البلدان الأفريقية يموت جراءها الملايين، وهذا أمر اكتشفنا صدمته مع مذابح رواندا التي قلما كان الغرب يبدي اهتماماً بها، على الأقل قياساً بالاهتمام بمقتل الأميرة ديانا في حادث سير أو فضيحة بيل كلينتون الجنسية. أما في الوطن العربي، فما زلنا غير مطلعين على ما يعتقد أنه مجازر وقعت في دارفور، وما زلنا مصممين على إنكار وقوعها لا لسبب إلا لأنها تكشف عن تورط حكومة عربية فيها. إن وسائل الإعلام تحاول أن تشتت انتباهنا عن الأحداث الخطيرة حقاً، والمتضمنة معاناة إنسانية كبيرة كماً ونوعاً، لصالح أخبار خفيفة سهلة الهضم تلائم نفوسنا المرهقة من ساعات العمل الطويلة ومزاجنا الميال إلى الخفة والهزل، كما يقول وينتر أو أن نمط الحدث ينطوي على نوع من التعقيد والتداخل إلى حد أنه يصبح من الصعب تقديم قصة متجانسة مع السردية الأوسع المحكية عبر القصص الأخرى، ولا سيما عندما يبدو الأشرار طيبين في حالات معينة، أو يبدو العدو صديقاً في حالات أخرى، وهو الأمر الذي نلمسه في سلوك الإعلام العربي الذي يخشى عادة تجاوز التقسيم الصارم للحدود بين الصديق والعدو، والتعاطي مع المساحة الرمادية التي يدور فيها جل مجريات الحياة الواقعية. يشير آلان في حديثه عما أسماه «شيفرة الجدوى الخبرية» إلى أن وسائل الإعلام الإخبارية تأخذ في الاعتبار عدة عوامل عند تقدير جدوى القصة الخبرية، من أهمها الطابع الصراعي في الخبر، التوقيت، قابلية الشخصنة، عنصر المفاجأة، الاستمرارية، التركيبة، الطابع النخبوي (سواء كانت نخبوية أممية في الأخبار الدولية أو نخبوية شخصية في الأخبار الداخلية). وهذه الافتعالية في صنع الأخبار تغدو بمرور الوقت طبيعية عبر التكرار ونمط الخطاب المستخدم بشكل يومي.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٥
هناك كثير من الصحفيين والمراسلين والمحررين الـذيـن يـزعـمـون، ببراءة في بعض الأحيان، أنهم يغطون الأحداث بطريقة موضوعية ومحايدة، ويفسرون الموضوعية بأنها تجنب الانحياز إلى أحد طرفي الصراع، وكأن الأخبار هي دوماً حول صراع بين طرفين، وبالتالي هم يعطون لكل طرف وقتاً ومساحة كافية ليعبر عن رأيه، وهذا ما يحصل فعلاً في الإعلام الغربي عموما والأمريكي خصوصاً، ويحاول الإعلام العربي محاكاته بطريقة مصطنعة. ولكن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن التقرير الإخباري هو عملية اختيار قصة من بين مجموعة قصص محتملة، وما يقوم به المراسلون في كثير من الأحيان هو جمع الأخبار كوظيفة تخضع لمعايير الجدوى، وعملية التجميع والانتقاء لا يمكن أن تتجرد من الانحيازات الشخصية والمواقف المسبقة أو الرقابة الذاتية التي يمارسها المراسل على نفسه بحسب إدراكه لاهتمامات مؤسسته وخياراتها.
أن لقد تحول مفهوم الموضوعية تدريجياً من كونه مبدأ أخلاقياً إلى مسلك احترافي في وسائل الإعلام العالمية الكبرى (مثل سي إن إن والنيويورك تايمز)؛ إنه يعني «الـتـوازن» و«عدم التحزب» ولا يعني ما تعنيه كلمة الموضوعية في مضمونها اللغوي والفلسفي، وضرورته تنبع من حاجة وسائل الإعلام الكبرى إلى أكبر قدر من المشاهدين أو القارئين، وبالتالي من ضمان قبول منتجهم من قبل طيف واسع من التوجهات السياسية والفكرية والاجتماعية، فضلاً عن مقتضيات التنافس تفرض الاحتفاظ بقدر عال من المهنية والسمة الاحترافية، التي من أهم مظاهرها في وسائل الإعلام الإخبارية عدم التحول إلى بوق فج وساذج لأيديولوجيا معينة أو لموقف سياسي معين. وبهذا المعنى، فإن «الموضوعية» عنصر احترافي تسويقي غايته جذب أكبر عدد ممكن من المستهلكين.
إن الشيفرة البسيطة لنجاح الصحفي هي في قدرته على إنتاج قصة تجذب القراء أو المشاهدين، والعلاقات الداخلية في المؤسسات الإعلامية باتت محكومة بهذا المفهوم للاحتراف
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٦
خاتمة
ليس هذا النقاش سـوى محاولة لمعالجة ملاحظاتنا سلوك وسائل الإعلام الإخبارية على خلفية الجدل الأكاديمي الراهن، الذي تجاوز إلى حد كبير القبول السطحي بمسلمات المؤسسات الإعلامية وادعاء الصحفيين أنهم رسل للحقيقة. وقد رأينا أن هذه المهنة «الرسالية» تصطدم بثلاثة أنواع من الحواجز التي تحول دون أن يكون واقعها الممارس مطابقاً للمثال المزعوم: النوع الأول هو الحواجز المتعلقة بطبيعة تكوين الإدراك البشري، وبالقيود الكامنة فيه والمقترنة بحقيقة أن عملية الإدراك هي نقل الأشياء من موضوعيتها إلى ذات المدرك، وبالتالي لا يمكن أن تنجو من الإسقاطات الذاتية الناتجة من حدود وشروط الإدراك لدى الإنسان. لذا، فإن الرسائل الإخبارية لا يمكن أن تكون مرآة للواقع مهما يبلغ مستوى حسن النية لدى منتجيها، والنوع الثاني هو ذلك الذي تستكمله البنى الثقافية والأيديولوجية واللغوية، التي تزودنا بخارطة المعاني والمفاهيم التي من خلالها نضفي على الموضوع المدرك تأويله، وهي مرحلة أكثر عمقاً في التمثيل الذاتي للموضوعات. أما النوع الثالث، فهو ذلك المقترن بالبني المؤسساتية والمعايير الاحترافية والغايات الاقتصادية، التي تعبر عنها حقيقة أن عملية إنتاج الخبر هي ممارسة لمهنة ما تحكمها أهداف عقلانية، كالنجاح والربح والبقاء، وهي عناصر تتطلب، كما في أية مهنة أخرى، إمكانات للتكيف ولقبول المعايير السائدة وتنقية السلوك، بما ينسجم وشروط البيئة المؤسساتية والسوق بما هو حيّز للتنافس. إن قبول هذه الحقائق لا يعني بأي حال من الأحوال الحط من شأن العمل الإعلامي، أو القول بلاجدواه، بل إن الحقيقة ربما تكون نقيض ذلك؛ إذ إن جدوى وسائل الإعلام، كواحدة من أهم مصادر المعلومات والتنشئة الاجتماعية والسياسية، هي التي تحتم علينا مراجعة مفاهيمنا السائدة عنها، ومعالجتها نقدياً، بغية إدراك العيوب الكامنة التي تتطلب إعادة تأويل هذا الدور والأهداف الكامنة وراءه. وبهذه الطريقة، نكون قد قطعنا شوطاً بعيداً باتجاه الإقرار بأن وسائل الإعلام لا يمكن أن تعمل إلا ضمن منظومة من علاقات القوة، وتكون في الغالب انعكاساً لتلك العلاقات لأن النظام الاجتماعي ـ السياسي، سواء كان وطنياً أو إقليمياً أو دولياً، هو تعبير عن صراع دائم بين المستفيدين والمتضررين؛ صراع لوازمه أدوات الإخضاع أو الاستتباع أو المقاومة المادية، أو المقاومة الذهنية والأيديولوجية. وفي هذا الصراع، يمكن موضعة الدور الرئيسي لوسائل الإعلام الإخبارية بوصفها وكيلاً لنمط معين من المصالح المقترن، والمشرعن أيضاً بقراءة أيديولوجية معينة أو بسردية محددة. ولأن التحالفات المسيطرة
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٧
والمستفيدة من تراتبية النظام القائم تكون أكثر استحواذاً على الموارد المادية، وبالتالي أقدر جذباً للمحترفين، فإنها تنجح في إنشاء (أو بسط هيمنة على) مؤسسات وسائل الإعلام الكبرى بطريقة تتفاوت نوعاً وكما بين أن يعبر عن هذه الهيمنة بالدور الأداتي الذي تقوم به وسائل الإعلام خدمة لمصالح معينة ولقراءتها الأيديولوجية الخاصة، وأن تكون هذه الهيمنة ناتجة من تحالف هيكلي مصدره الأساسي تركيز الموارد الاقتصادية المتنامية بفضل العولمة وسيطرة آليات السوق. وهنا تقوم وسائل الإعلام بدور رئيسي في التسريب الشعبي لنمط من القراءات الأيديولوجية والتصورات الذهنية والمفاهيم والتصنيفات، التي تستطيع، بفعل تكرارها وجاذبية قوالبها وبراعتها في لفت الانتباه واستفادتها من تقنيات الصورة ومن المعرفة التسويقية المتراكمة، جعل طروحاتها ليس مقبولة فقط بل ممثلة أيضاً لما هو صحيح وقائم فعلاً في ذهن المتلقي، وهي بذلك تقود الذهنية الشعبية إلى تكييف فهمها للأشياء والعالم من حولها وفق تلك الطروحات كمرجعية يبدو وجودها مسلماً به وغير قابل للمساءلة الاجتماعية، لأن نقيضه يرمى خارج حيز المفكر فيه. ببساطة، لا يمكن لأية علاقات هيمنة أو استتباع أن تقوم بدون وجود أدوات للتثقيف أو للتضليل أو للتحييد الفكري والأيديولوجي، وهذه العملية تحصل بطريقة تلقائية وطبيعية للغاية، لأنها أيضاً قرينة بالطريقة التي ينشط بها العقل ويتمثل العالم من خلالها. لقد أصبح واضحاً أن من العسير إنتاج وسائل إعلام محايدة لأن العمل الإعلامي عمل ذهني، والذهن لا يمكن أن يكون محايداً؛ فكل ما يخرج من الإنسان يكون قد عولج عبر أدواته الإدراكية والمعرفية وخزينها اللغوي والثقافي والنفسي. كما أن كلمة الحياد ذاتها تنطوي على تبسيط، إن لم نقل تضليل، لأن الإنسان لا يقف أبدأ في مكان محايد الأشياء؛ إنه دائماً قريب من بعضها وبعيد من بعضها الآخر. لذلك، أقول إن إزاء جميع الدراسات الهادفة إلى تقييم وسائل الإعلام من خلال موضوعيتها وحياديتها لا تزودنا أبدأ بالأدوات المنهجية السليمة لفهم سلوك وسائل الإعلام، أو يمكن في أقل تقدير أن تصبح دراسات تعامل الموضوعية ليس كقيمة أخلاقية بل كقيمة مهنية واحترافية، وبالتالي تدخل أهدافها إطار تطوير السبل الاحترافية للعمل الإعلامي وليس المراجعة الجذرية لدوره داخل المنظومة الاجتماعية ـ السياسية. إن فهم وسائل الإعلام في إطار ما ذكرته من دور بوصفها جزءاً من أشكال وعناصر الصراع الاجتماعي ـ السياسي سيقودنا بالضرورة إلى فهم آليات عملها وطبيعة توجهاتها، وتحليل خطابها بما يخدم فهمنا الكلي لطبيعة الصراع الاجتماعي السائد، ونمط العلاقات المشكلة له.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٦٨
