التحول من إعلام إلى اتصال جماهيري
كانت لجنة ماكبرايد، التي وضعت تقريرها الصادر عن اليونسكو عام ١٩٨٠، قد حددت ثماني وظائف للاتصال الجماهيري، هي:
الإعلام؛ التنشئة الاجتماعية؛ الحفز؛ المناقشة والحوار؛ التعليم؛ التثقيف؛ الترفيه؛ التقارب الاجتماعي
وبموجب هذه الوظائف، يتبين أن «الإعلام» هو وظيفة واحدة من ثماني وظائف يفترض أن يقدمها بتوازن الاتصال الجماهيري ـ الذي سمي في البلاد العربية إعلاماً.
لكن الإعلام العربي اقتصر بصورة رئيسية على تقديم وظائف محددة قلصت دوره في بناء المجتمع بناء سليماً.
وكان المصمودي قد لاحظ منذ زمن أن الإعلام العربي يركز على البرامج الترفيهية بنسبة عالية جداً، ثم البرامج الإخبارية والتربوية والدينية بنسب أقل بكثير من الأولى .
وهنا لا بد من ملاحظة أن التركيز على الترفيه في الإعلام يأتي مناقضاً، مثلاً، لفلسفة الإذاعة البريطانية (BBC) (وتلفازها) باعتبارها رائدة من رواد العمل الإعلامي ـ كما لخصها اللورد جون ريث، أحد القائمين الأوائل عليها، الذي قال
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٤٤
إن استخدام التسلية والترفيه بشكل كبير «لن يكون تخلياً منها عن مسؤولياتها وإساءة لاستخدام قوتها فحسب، ولكنه سيكون أيضاً إهانة للجماهير التي تخدمها».
وهكذا، وبالتركيز على وظائف محددة، أصبحت رسالة الإعلام العربي، في جزء كبير منها، قاصرة ومحدودة ومبرمجة، تعمل على تعميق الشفاهية والتسطيح والسلبية (تحمل في ثناياها إهانة متعمدة لعقل المتلقي بالتركيز على الترفيه).
لكن الصورة آخذة في التغير بعد الرقمنة، رغم أنها لم تكتمل؛ إذ إن المتلقي العادي الشفاهي الثقافة (الذي تمت برمجته في السابق على الإعلام والترفيه وقبول وجهة نظر السلطة الواحدة) أصبح على استعداد لتقبل وجهة نظر الطرف الآخر، سواء في فضائية عربية أو غير عربية، ومناقشتها ومجادلتها وربما تحديها.
وصار هناك مجال للآراء المتباينة لم يعتده المتلقي قبلاً، وصار الإنسان العربي يسأل نفسه بعد التعرض للقنوات: ماذا يقول الطرف الآخر؟ وتمتد يده بحثاً عن القناة التي تمثل وجهة النظر الأخرى، فيتعرض لها، ويناقش مع زملائه وجهات النظر المتباينة. وصـارت هذه المحطات تعالج «القضايا السياسية والثقافية التي تهم الرأي العربي» بكثرة بل ترى المتلقي «يبحر» عبر الصفحات الإلكترونية، حين لا يجد الإجابة الشافية، باحثاً عن تعليق هنا وخبر هناك.
صار المواطن يسمع مصطلحات لم تكن واردة في قاموس حياته من قبل (مثل حقوق الإنسان وحقوق المرأة ) وصار يرى بأم عينيه، ويفكر في أشياء تهدم ما نشأ عليه من أفكار. وتشجعت الصحافة، فقويت فيها وتيرة النقد غير المباشر أحياناً والمباشر أحياناً أخرى. وهكذا ساهمت الصحافة الأسبوعية والإذاعات الإلكترونية والفضائيات العربية وغير العربية والإنترنت مجتمعة في دور كبير في تفكيك هيمنة السلطة على العقل العربي. وبدأت عملية التحول من «إعلام» إلى «اتصال جماهيري»، وذلك لقيام وسائل الاتصال الرقمية بتقديم وظائف لم يكن الإعلام التقليدي ـ إعلام السلطة ـ يوليها العناية اللازمة على المستوى القومي، فأدخل الإنسان العربي مرحلة جديدة قريبة من المعاصرة. وبهذا يكون الإعلام العربي الرقمي عملياً قد أحدث، بحسب ألترمان، «ثورة» في وعي المحيط الاجتماعي العربي، وأخذ يعمل في تحطيم نظام الاتصال السلطوي القائم على وجهة النظر الواحدة.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٤٥
