نظريات التعبئة السياسية
على خلاف الاتجاهات السابقة، تشدد هذه النظريات على التأثير الإيجابي لوسائل الإعلام في المحافظة على المشاركة الديمقراطية وتشجيعها. وبصفة خاصة، أنصارها ضرورة التفرقة بعناية بين الآثار السلبية والآثار الإيجابية لمختلف وسائل الإعلام، للرسائل والمشاهدين یری فعلى سبيل المثال، تذهب بيبا نوريس P. Nourris) إلى أن المستهلكين المنتظمين لأخبار التلفزة والمعتادين قراءة الصحافة السياسية، وبغض النظر عن مدى التغطية التي تقدمها تلك الرسائل، هم أكثر ميلاً إلى الاهتمام والاطلاع والانخراط في الحياة السياسية.
وعلى العكس من ذلك، يعد المواطنون الذين يتعرضون لمحتويات الإثارة التي تتضمنها وسائل الإعلام أكثر ميلاً إلى اكتساب سلوكات العزوف والسخرية من الأحداث السياسية.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣٢
وفي ما يتعلق بوسائل الاتصال الحديثة، لا بد من الإشارة إلى أنها تملك دوراً مهماً في الرفع من قدرات المنظمات والهيئات، وبصفة عامة النشطاء، بخاصة أولئك الذين تجاوزوا عتبة الهوة الرقمية أو الأمية الرقمية؛ فوسائل الاتصال الجديدة، ومن ضمنها تكنولوجيا الشبكات في الإنترنت، تخول الأفراد والمنظمات فرصة القيام بأنشطة متعددة، كإنشاء المدونات أو الانخراط في الشبكات الاجتماعية، وتخول مستعمليها إمكانية خفض تكلفة نشر الأخبار والأعمال، وتبوئ «المواطنين الصحفيين» مركزاً مهماً في مواجهة مؤسسات الإعلام التقليدية القوية. وفي المجال المدني، تعطي الشبكات الاجتماعية للمنظمات الفرصة للتعبئة السريعة للأفراد حول قضايا محددة وتجاوز إكراهات المجال، ما دام أن مدی التعبئة يمكن أن يتجاوز حدود الدولة الواحدة، ويتوجه إلى أفراد منتسبين إلى فضاءات تلك وطنية مختلفة.
ومن جهة أخرى تقدم الحملات الانتخابية مجالاً آخر يتزايد فيه استعمال تقنيات الاتصال الجديدة بشكل يسمح بالقول إننا أمام إمكانات جديدة لتفعيل الممارسة السياسية فحملات النشطاء في الدول الغربية، التي تستخدم المدونات والشبكات الاجتماعية في الدعاية على الإنترنت وتوظف المواقع الإلكترونية لجمع الأموال، تجسّد أشكالاً جديدة للانخراط الجماهيري في السياسة انخراط يتميز بالتوجيه الذاتي والعفوية كما يقع أحياناً خارج الهياكل الرسمية للفاعلين في دراسة لأسباب النشاط السياسي لمواطني ٢٠ دولة من أوروبا الشمالية والجنوبية والشرقية، خلص أوسكار لوينغو (O. Luengo) إلى أن الإنترنت هي أكثر القنوات تأثيراً في مستوى النشاط السياسي للأفراد.
وبالاستناد إلى متوسط المعاملات كمرجع للمقارنة، حصلت وسائل الاتصال الجديدة على معامل (١١٥)، بينما ينخفض ذلك المتوسط في حالة التلفزة إلى (0,73)، والصحف (0.44) (انظر الجدول الرقم ۱ ـ ۱). وعلى مستوى البلدان التي تظهر دلالة إحصائية، تؤكد هذه النتائج التي يمكن الإشارة إليها وفق ما يلي: في حالة التلفزيون، لا تظهر في خمسة بلدان من مجموع ۲۰ بلداً أية دلالة إحصائية، بينما يرتفع العدد إلى عشرة بلدان في حالة الصحف. أما في حالة الإنترنت،
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣٣
