نظرية وسائل الإعلام الجماهيرية والثقافة الجماهيرية
تعود الأفكار الأولى المندرجة ضمن إطار مرحلة الاتصال الجماهيري إلى النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وهي فترة تميزت بالانتشار السريع للمصانع الكبرى في المناطق الحضرية، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة هجرة الأفراد من المناطق الريفية إلى داخل المدن في الدول الصناعية، وظهور المطابع التي سمحت بإنشاء الصحف القابلة للبيع بأسعار منخفضة لجمهور من القراء أخذ في الازدياد بوتيرة متسارعة.
وقد تميز الكتاب المنتمون إلى هذا المقترب بالتشاؤم حيال ما يمكن أن تؤدي إليه وسائل الاتصال من مساوئ، من قبيل تقويض النظام الاجتماعي القائم والمؤسسات الديمقراطية، وتهديد ثقافة وقيم النخبة آنذاك (ثقافة المجتمع القروي الذي شكل آنذاك الأغلبية وخضع لمنافسة قوية من المجتمع الحضري المتصاعد في المدن، والمتوسع بفعل ما عرفته الدول الغربية من عملية تصنيع كبرى ساهمت في انتقال مركز الثقل لاحقاً من القرية إلى المدينة، وبخاصة في ظل تصاعد الهجرة من البادية إلى ضواحي
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٢٢
المدن الصناعية، بهدف حصول المهاجر على الشغل وعلى ما يقدمه التحضر من بيئة عيش جديدة… إلخ). هذا التشاؤم النظري اختلط مع سيادة نوع من التفاؤل بشأن وسائل الاتصال الجماهيري كأداة يمكن أن تستعمل من أجل إعادة ترميم النظام المجتمعي القديم أو بناء آخر جديد. الخصوصية الأساسية لمنظري المجتمع الجماهيري والثقافة الجماهيرية، هي أنهم بالغوا في التأثير الذي تحدثه وسائل الاتصال الجماهيري، وفي قدرتها على تحفيز التغيرات المجتمعية والثقافية. إنها تتأسس على خلفية التأثر السريع والتلقائي للأفراد بالرسائل التي تتضمنها تلك الوسائل، وبعدم توفرهم على إمكانية مقاومتها.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٢٣
