الموقف من قضايا الأيديولوجيا والحياد والموضوعية في إعلام الأزمات
الإعلام في أبسط تعريفاته وأشملها يعني (محاولة إحداث أثر) في المجتمع، أفراداً وأنظمة ومؤسسات. ونظريات التأثير الإعلامي التي كتب فيها أساتذة الإعلام ومنظروه تؤكد على أن وسائل الإعلام تحدث أثراً ذا مستويات ثلاثة في كل من: الوعي، والمواقف، والسلوك.
وإذا كان الإعلام رسالة، والرسالة لابد لها من رؤية يتمثلها القائم بالاتصال، فهل يمكن أن تطلق العملية الإعلامية من فراغ ؟ أو تهدف إلى (لا شي) ؟
لقد رأينا فيما سبق كيف تجسدت الرؤية في رسالة القنوات الفضائية عند معالجتها لأحداث الثورات الشعبية في العالم العربي، وتنوع أهداف الأيديولوجيا في معالجتها لتلك الأحداث وتطوراتها، وإن كانت تتسم بالطبيعة السياسية في مجملها.
والإعلام الهادف ليس بدعاً من هذه القنوات، فله رسالته ورؤيته، بل هو الإعلام الذي يحمل رؤية ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال وتبدل الظروف، وبها ومنها ينطلق هذا الإعلام في معالجته الإعلامية للأحداث بطريقة كتاب ايديولوجيا الاعلام
تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٧٤
أعم و أشمل من رؤية غيره من الإعلام الذي جعل السياسة أيديولوجيته الثابتة، بما يعتري هذه الأيديولوجيا السياسية من تحولات تفرضها ظروف داخلية أو عوامل خارجية تؤثر في رسالتها بين حين وآخر، تبعاً لتغير تلك الظروف أو تحولها، وجوداً وعدماً. فالإعلام الهادف ينبثق من رؤية فكرية ذات طبيعة متميزة ) ، وظيفته هي استيعاب هذه الرؤية والقدرة على الانتفاع بها وفق معايير وضوابط الأمة ثابتة.
هذه الرؤية هي التي يؤمن بها أفراد المجتمع، وجمهور الذي يتوجه إليه الإعلام الهادف برسالته. وحتى يؤدي هذا الإعلام رسالته إلى الأمة، ويقوم بدوره الطبيعي في الريادة، فإنه لا بد له أن يصدر في معالجته الإعلامية المختلفة عن المعتقدات والقيم السائدة في المجتمع الذي يعمل فيه أو يتوجه إليه. ويتأكد ذلك في أوقات الأزمات التي تواجهها الأمة، إذ تختلط فيها الرؤى، وتتداخل المفاهيم، وتكثر الاتجاهات، وتغيب الحقائق، وتتعدد الاجتهادات، ويتعرض فيها الجمهور إلى رسائل وأيديولوجيات تؤثر في وعيه، وتشكل اتجاهاته ومواقفه، وفي خضم الثورات السياسية والتظاهرات الشعبية التي تنتج عن تلك الأزمات تبرز الحاجة إلى إعلام
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٧٥
هادف، يقوم بمسؤوليته تجاه الرأي العام، ويؤدي أمانه الكلمة والرساء الإعلامية، بوصفه إعلاماً ناطقاً بلسان الأمة، ومعبراً عن دينها وهويتها ، ليسهم في اتخاذ موقف إسلامي رشيد تجاه القضايا والأحداث، ويتبوأ مكانه بين أيديولوجيات الإعلام المنافس ليحدث أثراً في الوعي والموقف والسلوك.
وبناء عليه، فليس هناك ثمة إشكالية في قضايا الحياد والانحياز لرسالة الإعلام الهادف. بل عليه أن يحيد إلى الحق، ويتحيز إلى رؤيته، فهم منتم إليها، وكل إعلام هو بالضرورة – منتم إلى الرؤية التي ينبثق منها، ومتحيز إلى الفكرة التي يحملها ويدافع عنها. وإن كنا قد رأينا فيما سبق كيف وظفت القنوات الفضائية العامة الأساليب المهنية في معالجتها الإعلامية لأحداث الثورات الشعبية في العالم العربي بما يخدم أيديولوجيتها، فإنه لا يجب أن يتخلف الإعلام المعبر عن رأي الشعوب العربية وثقافتها عن الأخذ بمعايير الأداء المهني في العمل الإعلامي ليخدم الأمة، التي لا تزال تتطلع إلى إعلام يقوم بوظيفته الإخبارية والتوجيهية ليسهم في صياغة وعي رشيد تجاه ما يعيشه من أحداث في بيئته الداخلية أو محيطه الخارجي، وبخاصة في أوقات الأزمات والفتن.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٧٦
