الإعلام الجديد وتفعيل الممارسة السياسية اتجاهات عالمية
لوسائل الاتصال الحديثة آثار في الحقل السياسي بصفة عامة، وفي الممارسة السياسية بصفة خاصة. ولعل من أهم مؤشرات تلك الآثار دور تلك الوسائل في تقوية النشطاء (Activistes)، وفي إدخال الانتخاب الإلكتروني وما يترتب عليهما من تفعيل للمشاركة السياسية للأفراد.
١ ـ النشطاء الإلكترونيون سنحاول أن نرى حجم انتشار النشطاء الإلكترونيين قبل تحليل دور تكنولوجيا الإعلام الجديد في تفعيل أدوارها.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٢٧
أ- انتشار الظاهرة
ساهم ازدیاد استعمال وسائل الاتصال الجديدة في تغيير جوهر العملية السياسية بصفة عامة، والتعبئة الاجتماعية بصفة خاصة، وصار فاعلو الحقل السياسي أكثر ميلاً إلى استخدامها في إطار المهام التي يضطلعون بها، وداخل الأجندة المتحكمة في تحركاتهم: الاتحادات، الأحزاب السياسية، الحكومات.
هذا الاتجاه العميق مش أيضاً مؤسسات المجتمع المدني، التي عرفت ظهور ما يعرف بالنضال الإلكتروني ,E-activism, Electronic advocacy, Cyberactivism) (E-compaigning، الذي يشير إلى استعمال تكنولوجيا الاتصال، مثل الرسائل الإلكترونية والمواقع والـ «بودكاستينغ» (podcasting)، من أجل مختلف أشكال النضال، وذلك بضمان تواصل سريع بين مجموعات المواطنين، وتوزيع الرسائل إلى جمهور واسع، وجمع الأموال على شبكة الإنترنت، والضغط وبناء مجموعات أهلية ومنظمات أشار دوغلاس شيلر في كتابه New Community Networks إلى أن حوالي 500,0 من الأفراد يستعملون بانتظام مئات من شبكات الجماعات على الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. إنهم يتوحدون في مختلف المؤسسات المحلية
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٢٨
(مثل المدارس، الجامعات، الوكالات الحكومية المحلية، المكتبات والمنظمات التي تبتغي الربح) في شكل موارد مجتمع واحد توظف من أجل الاضطلاع بوظائف متعددة، من تمكين الأفراد من التواصل بينهم، عبر الرسائل الإلكترونية، إلى تشجيع انخراطهم في القرارات المحلية وتنمية الفرص الاقتصادية المفتوحة أمامهم.
إن ذلك يحصل من خلال الآليات التالية:
الربط بين أعضاء جماعة معينة، وتشجيع النقاش، وحل المشاكل المشتركة.
تنظيم المعلومات ووسائل الاتصال ذات الأهمية الخاصة لحاجات الجماعات، ولمواجهة مشاكلها بناء على جدول زمني.
مشاركة قاعدة عريضة من المواطنين، بمن فيهم نشطاء المجتمع، والقادة، والجهات الراعية لأنشطتهم، ومقدمو الخدمات، وذلك بشكل مستمر.
العمل على إدماج جميع أعضاء الجماعة، وعلى الخصوص ذوي الدخول المنخفضة، والذين يعانون إعاقات أو محدودية في الحركة.
توفير الخدمات الأساسية بتكاليف عادلة ومعقولة، أو على أساسي مجاني. الثقافة المحلية.
دعم إن ما سبق لا يعني أن الجماعات على شبكة الإنترنت هي جماعات غير موجودة في الواقع، بل موجودة وبحاجة إلى أن يلتقي أفرادها وجهاً لوجه من أجل تمتين الروابط بينهم، وإن تكن الإنترنت هي أحد الفضاءات المهمة لذلك.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٢٩
لقد تميزت الفترة الأخيرة بتطور لافت للنظر للنضال الدولي، الذي يتجاوز حدود الدولة الواحدة، من قبيل المظاهرات الحاشدة، والحملات الدعائية المتواصلة ضد الشركات العالمية ووكالات التنمية، وابتكار نظم المساءلة العامة لسلوك الشركات والمؤسسات الحكومية.
وهي الأنشطة التي اقترنت بوسائل الاتصال الحديثة، وساهمت الإنترنت بدرجة كبيرة في تحفيزها عبر خفض التكلفة وضمان السرعة. إن الإنترنت والفيديو الرقمي والهواتف الخلوية وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة تخول الأفراد إمكانية تجاوز إكراهات الوقت والجغرافيا، وتنظيم أنشطة سياسية يصعب تصورها من دون تلك الوسائل. وعندما تكون الجماعات أو شبكات النشطاء غير مراقبة بواسطة مراكز منظمة، تصير الإنترنت عبارة عن فضاء عام مفتوح يتم فيه تبادل الأفكار وبرامج الاحتجاج بسهولة نسبية، وبسرعة وفي مجال عالمي، من دون أن يرتكز عمل النشطاء على قنوات الاتصال التقليدية، من إعلام أو تلغراف.
في هذا الإطار، يذهب أحد الباحثين إلى القول إنه عندما يتعلق الأمر بشبكات غير مركزية وموزعة، يكون من الصعب على أية نخبة مراقبة الأنشطة على الإنترنت؛ فهي تسمح لعملية الاتصال بأن تتم من الفرد إلى الفرد، ومنه إلى المجموعات وحتى من المجموعات إلى المجموعات. فطبيعة التكنولوجيا والمظاهر الاقتصادية تمكن من القيام بعملية النشر بتكلفة منخفضة نسبياً ومن دون وساطة دار للنشر.
في إطار سيرورة وسائل الاتصال الحديثة هذه واستعمالها من قبل الأفراد والجماعات، ظهرت البرمجيات الاجتماعية، التي ساهمت في إحداث ثورة في
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣٠
مجال الإنترنت التقليدية بسبب ما تمنحه للأفراد والجماعات من مجال للمشاركة والتفاعل، وذلك باستخدام بنية تحتية عالمية من أجل خلق شبكات تشكل جزءاً مهماً في النشاط السياسي والمشاركة السياسية. ومع الإقرار بهذه الأدوار المتزايدة لوسائل الاتصال الحديثة، وبتوسع استخدامها من قبل النشطاء، أكانوا محليين أم وطنيين أم دوليين، فالسؤال المشروع الذي يفرض نفسه يتعلق بتقييم أثر التعرض لوسائل الاتصال الحديثة في التعبئة والانخراط؟
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ٣١
