الأيديولوجيا في الممارسة الإعلامية
سبق الحديث عن أن العملية الاتصالية لا تستنبت في بيئة جرداء، ولا تنطلق من فضاء عقيم، وإنه متى ما كان هناك اتصال فثمة حتماً أيديولوجيا تقف خلف العملية الاتصالية.
ولذلك فقد أثار مصطلح (الحياد) في الرسالة الإعلامية جدلاً كبيراً بين المتخصصين في الإعلام، والحق أن قضية الحياد هي قضية هلامية، يحاول المثاليون أن تكون موجودة في الممارسة الإعلامية، لكن واقع الرسالة الإعلامية في أي مجتمع ينقض مصطلح الحياد ويقوضه من أساسه، ذلك أن الممارسة الإعلامية هي تعبير صريح عن الانتماء الفكري للقائم بالاتصال، أياً كان نوع هذا الانتماء.
والانتماء الفكري في الإعلام هو – بالتالي – حقيقة تنقض مفاهيم الحياد والموضوعية التي كتب عنها · أساتذة الإعلام ومنظروه. وقد تقرر أن الحياد والموضوعية مصطلحان غير موجودين إلا في كتابات المتخصصين، أو قاعات الدارسين، أو مناهج الباحثين. أما في الممارسة الإعلامية فإن (الإعلام رسالة)، والرسالة لا بد لها من (رؤية)، والرؤية هي (فكرة) أو (مجموعة أفكار) تسبق السلوك الاتصالي.
ومن ثم فإن الممارسة الإعلامية هي نتاج رؤية
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٦٣
مقرر الأيديولوجيا أيديولوجية تتجسد صورها في المنتج الإعلامي عبر وسائل الإعلام المختلفة.
من هنا نلحظ التفاوت الكبير بين وسائل الإعلام المختلفة في تغطيتها للثورات الشعبية التي شهدتها بعض المجتمعات العربية وفقاً لرؤيتها التي يجسدها القائم بالاتصال، أو لسياستها وأهدافها التي صبغت توجه المؤسسة الإعلامية، وهذا ما روبرت انتمان عبر عنه بقوله: إن كثيراً من الأحداث يتم تغطيتها من وسائل الإعلام العالمية، لكن الأسلوب والطريقة التي تتم بها هذه التغطية تقود إلى خلق انطباعات وتصورات تفرضها وسائل الإعلام على الجمهور.
إن وسائل الإعلام تفرض قيماً وموضوعات معينة في تغطيتها للأحداث من شأنها أن تؤثر على الجمهور بالطريقة التي تريدها هذه الوسائل وهذا ما نلحظه واضحاً وجلياً في تغطية القنوات الفضائية العربية للأحداث التي شهدها العالم العربي منذ ثورة تونس في 18 ديسمبر ۲۰۱۰ م.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٦٤
