أيديولوجيا الموقف من الحدث
تفاوتت القنوات الفضائية في موقفها من الأحداث التي شهدها العالم العربي، فبينما اتخذت قنوات معينة موقفاً ثابتاً ومطرداً في الأحداث منذ بدايتها في تونس ومصر ثم اليمن بوقوفها إلى جانب الشعوب ومطالبها السياسية في الإصلاح، وتحيزها في تغطيتها الإعلامية إلى كل ما يعزز ثورة الشعب، كما فعلت قناة الجزيرة – مثلاً -،كانت هناك – من جهة أخرى – قنوات إخبارية ذات حضور جماهيري كبير متقلبة في مواقفها وفق ما تمليه توجهات سياسية معينة فرضت تأثيرها على أساليب المعالجة الإعلامية، وكانت أيديولوجيا الموقف من الحدث متماهية مع مواقف النظم السياسية المؤثرة على رؤيتها وتوجهاتها.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٦٥
وقد أجرت مجلة فورن بوليسي Foreign Policy الأمريكية الرصينة مقارنة بين تغطية القناة التليفزيونية المصرية الرسمية للأحداث التي سبقت تنحي الرئيس المصري عن السلطة، وتغطية القنوات الأخرى وأخذت قناة الجزيرة كمثال، وكتبت أنه في الوقت الذي كانت بعض القنوات الفضائية تنقل تظاهرات مئات الآلاف من المصريين المنادين برحيل النظام، كان التليفزيون المصري ينقل صوراً ومشاهد لحركة المرور في شوارع القاهرة في محاولة لإقناع المشاهد أن الأوضاع هادئة وأن الحياة تسير بشكل طبيعي. وفي الوقت الذي كانت فيه قناة الجزيرة تبث صوراً لمئات المصريين وهم يقفون في طوابير الخبز، كان التليفزيون المصري ينقل صوراً بدا أنها من الأرشيف لمتسوقين يقومون بشراء حاجياتهم وتبدو على سيماهم الغبطة والسرور.
ثم لما نجحت الثورة، وسقط رموز الحزب الوطني الحاكم، وتنحى الرئيس المصري، تحول التلفزيون المصري في موقفه ليكون مؤيداً للثورة ومطالبها. هذا الإضطراب في أيديولوجيا الموقف من الحدث لم يقتصر على وسائل الإعلام المصرية فقط، بل كانت قناة العربية مثالاً واضحاً ودليلاً آخراً عليه.
كانت قناة العربية متذبذبة في الموقف في بداية الثورة في مصر تبعاً لتغير موقف النظام السياسي المهيمن عليها، وموقف البيت الأبيض، الذي كان قلقاً من مصير حليف أمريكي في المنطقة لا يريد أن يضحي به، وشعارات الديموقراطية واحترام إرادة الشعوب التي كان
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٦٦
يروج لها.
ولهذا اتخذت قناة العربية موقفاً مؤيداً للحكومة المصرية، ومحجماً لآثار الثورة. وفي الوقت الذي كانت فيه قنوات الجزيرة، وBBC، والحرة، وغيرها تنقل صور المتظاهرين وتنصب كاميراتها المباشرة في ميدان التحرير بالقاهرة، كانت قناة العربية تبث بكاميرا علوية من شارع كورنيش النيل، وتظهر صوراً وهتافات مؤيدة للحكومة المصرية
أما في أحداث ليبيا فقد اتخذت القنوات الفضائية العربية مواقف متشابهة، بوقوفها مع ثورة الشعب، ومناصرة حقوقه ومطالبه في ظل نظام استبدادي قمعي، وذهبت القنوات الفضائية الهادفة إلى أبعد من الموقف الأيديولوجي السياسي، إذ حاولت أن تعزز هوية الشعب الليبي المسلم، وتركز على الجوانب الدينية التي غابت عن كثير من أساليب المعالجة الإعلامية للقنوات التلفزيونية العربية، واستضافت العلماء والدعاة من كل قطر عربي للحديث عن الهوية الإسلامية الجديدة التي يمكن أن تفرزها هذه الثورة. وفي كل الأيديولوجيات المتفقة أو المتباينة عن الحدث، كانت القنوات التلفزيونية تستعين بقواعد معلومات عن العلماء، والخبراء، والمفكرين، والمثقفين والسياسيين وغيرهم، تستدعيهم في استديوهاتها، أو عبر مراسليها للتعليق على الأحداث بما يخدم أيديولوجيا المؤسسة الإعلامية ورؤيتها تجاه الحدث. والخلاصة، أنه لم يكن هناك مجال للحياد في التغطية التلفزيونية
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٦٧
للأحداث، بل تفاوتت القنوات الفضائية العربية في تغطيتها للحدث وفق الأيديولوجيات والتوجهات التي تحكم الممارسة الإعلامية لهذه القنوات.
وكما أن قناة الجزيرة تبنت موقفاً وتوجهاً ثابتاً من الثورات العربية في كل من تونس ومصر، واليمن، وليبيا، على الترتيب والتوالي، وكانت في موقف التأييد للثورات الشعبية، كانت قناة العربية متذبذبة في موقفها من ثورة تونس، ولم تكن مصدراً رئيساً للمتابعة من الجمهور العربي، مؤيدة لموقف الحكومة المصرية في بداية الثورة متناغمة في ذلك مع الموقف السياسي لدول الخليج تجاه الحدث، ولما رأت توجه الثورة نحو الانتصار انقلبت رأساً على عقب لتتناغم مع أهداف الثورة الشعبية وتحول موقف الحكومات العربية منها فأصبحت تقدم تغطية إعلامية تحترم إرادة الشعب المصري.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٦٨
