أيديولوجيا الصورة
أضحت الصورة الإعلامية الساكنة (static photo)، والصورة الإعلامية المتحركة (Motion picture) عنصراً رئيساً في صناعة الرسالة الإعلامية وصياغتها لتكون مكملة للنص الإعلامي أو مستقلة عنه في عملية إقناع الجمهور والتأثير فيه.
وإذا كان الإعلام في أبسط مفاهيمه وتعريفاته هو: (محاولة إحداث أثر)، فإن عنصر الصورة أصبح أهم عناصر التأثير في الجمهور بقصد زيادة وعيهم بدلالات الرسالة الإعلامية، أو تغيير مواقفهم واتجاهاتهم تجاه القضية التي تتناولها الرسالة الإعلامية.
ومنذ حرب الخليج الثانية 1990- 1991م، أصبح التلفزيون ومعه الصورة أداة حرب فاعلة ومؤثرة، وشكلت مرحلة زمنية رئيسة في قياس أثر الصورة على الرأي العام وقدرة الساسة والإعلاميين على صياغته وفق الأيديولوجيا التي يريدونها، ثم انتقلت الصورة إلى موقع الهيمنة في العملية الإعلامية على إثر التطور الكبير في تكنولوجيا الصناعة الإعلامية التي منحتها فرصة الانتشار والصدارة.
وإضافة إلى العامل التكنولوجي، فإن الصورة الإعلامية تستطيع أن تصل بدلالاتها الأيديولوجية المعلنة أو الخفية إلى وعي الجمهور بطريقة أيسر وأسهل من أيديولوجيا النص المكتوب أو المسموع، ذلك
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٠
مقرر الأيديولوجيا أن الصورة الإعلامية تخاطب شرائح المجتمع المختلفة بكل مستوياته التعليمية، وبهذه الشمولية في الخطاب فإن الصورة الإعلامية هي الأقدر على الإقناع بالحقيقة الموضوعية أو بالمعاني المزيفة التي تحملها. والسبب في ذلك أن النص المكتوب أو المسموع يحتاج إلى فهم القارئ لرموز النص ومصطلحاته، ويحتاج إلى قدرة القارئ على وضع النص في سياقه الزمني والموضوعي المناسب.
أما الصورة فإنها لا تحتاج إلا إلى التأمل بالطريقة التي قصدها صانع الصورة ومنتجها. لقد أصبحت الصورة الإعلامية تستهوي القارئ للصحيفة والمشاهد للتلفزيون أكثر من النص المكتوب أو المسموع، بل إن شريحة كبيرة من الجمهور تشاهد الصورة ولا تسمع الخبر، وتشاهد الصورة أكثر من استهلاكها للنص المسموع أو المكتوب؛ لأنها تختصر الفكرة والأيديولوجيا التي تقف وراءها.
كما أصبحت وسائل الإعلام من جهتها تتسابق إلى الانفراد بنشر الصور التي تسترعي انتباه الجمهور وتشده إلى الرسالة الإعلامية لتسهل عليها عملية إقناعه والتأثير فيه.
أيديولوجيا الصورة الإعلامية أثارت اهتمام الحكومات والأحزاب السياسة والمؤسسات الإعلامية على حد سواء؛ إدراكاً منهم لقدرتها على الجمع بين تفاصيل الحقيقة وإبداع الخيال. فالإنجازات التي ترسمها الدول والحكومات على سبيل المثال إنما هي تراكم من الصور الساكنة أو المتحركة التي تؤرخ لتفاصيل الصورة الذهنية التي تترسب في وعي الرأي العام المحلي أو العالمي، والتسويق الإعلامي للرموز السياسية في مواسم الانتخابات إنما يعتمد على الصورة بدلالاتها المختلفة: السياسية
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤١
مقرر الأيديولوجيا والاقتصادية والإنسانية والشعبية لإقناع الناخب بتفضيله على غيره من المرشحين، ومن ثم التصويت له. والمؤسسات الإعلامية جعلت من الصورة إحدى أدوات المعرفة والترويج للأيديولوجيا (المهيمنة أو النخبوية)، ومنحتها فرصة التحول من الهامش إلى المحور في الرسالة الإعلامية، ومن الحضور الجزئي إلى موقع الهيمنة والتأثير.
إن هيمنة الصورة على الرسالة الإعلامية وتأثيرها في الجمهور تنبع من الأيديولوجيا التي تتضمنها والأفكار والمعاني التي تحملها، ومما استقر من أيديولوجيا الصورة في وعي الرأي العام وأثر في مواقفه وسلوكه – على سبيل المثال – مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة برصاص الجيش الصهيوني في فلسطين، وهي الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام العربية والعالمية وحركت مشاعر العرب والمسلمين على مستوى الحكومات والشعوب؛ وكذلك صور الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م الذي فاقت فيه الصورة الإعلامية الواقعية خيالات منتجي الصور في هوليود، وكانت سبباً في أيديولوجيا (الحرب ضد الإرهاب) التي قادتها الولايات المتحدة؛ وأيضاً صور تدمير النصب التذكاري للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين التي انتجتها قوات الاحتلال الأمريكي في العراق بكل براعة ومهنية، ثم تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، ثم صور ومشاهد محاكمة صدام حسين في حادثة الدجيل التي كانت قضية ذات اختيار أيديولوجي طائفي مرتبط بشيعة العراق، وهي المحاكمة التي أدت إلى إعدامه شنقاً وسط هتاف أيديولوجي طائفي تزامن مع أول
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٢
مقرر الأيديولوجيا والاقتصادية والإنسانية والشعبية لإقناع الناخب بتفضيله على غيره من المرشحين، ومن ثم التصويت له. والمؤسسات الإعلامية جعلت من الصورة إحدى أدوات المعرفة والترويج للأيديولوجيا (المهيمنة أو النخبوية)، ومنحتها فرصة التحول من الهامش إلى المحور في الرسالة الإعلامية، ومن الحضور الجزئي إلى موقع الهيمنة والتأثير.
وهي المحاكمة التي أدت إلى إعدامه شنقاً وسط هتاف أيديولوجي طائفي تزامن مع أول ٤٢ مقرر الأيديولوجيا أيام عيد الأضحى من عام ١٤٢٨هـ ٢٠٠٦م، وهو توقيت زماني له دلالته الأيديولوجية أيضاً.
كما أن الصور التي جسدت مشاهد ثورة الشعوب العربية على أنظمتها في كل من تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا لا تزال عالقة في مخيلة الجمهور، ويحتفظ في ذاكرته بمشاهد مرئية لتحولات أساسية في مسار هذه الثورات. هذه نماذج من الصور الإعلامية الساكنة والمتحركة التي نشرتها وسائل الإعلام المطبوعة أو المرئية نسوقها شاهداً على الأيديولوجيات الدينية أو السياسة أو الاقتصادية التي تحملها، وهي في الوقت نفسه شاهد على قدرة تقنية الإعلام في الترويج للصورة الإعلامية. والخلاصة، أنه مهما نجحت تقنية الاتصال في صناعة الصورة الإعلامية، ومهما برعت في إنتاجها بكل احترافية ومهنية؛ فإنها تبقى ضعيفة الأثر، فارغة المضمون، وناقصة الدلالة إذا كانت خالية من الأيديولوجيا التي تمنحها الرمز والدلالة والمعنى.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٣
