عصر الشك
أنه جرى بعد ووترغيت وإيران غيت Irangate ورانـبـو فـاريـور (Rainbow Warrior)، هل أصبح الإعلام ضحية نجاحاته؟ هل كان وائقاً بنفسه أكثر من اللازم، إلى حد أنه نسي أحياناً القوانين المهنية والأخلاقية التي التزم بها؟ على كل حال يبدو اجتياز عتبة معينة. بالطبع، ليس هناك اتهام لشرعية الصحافيين. بل على العكس، لم يسبق لها أن كانت مقبولة أفضل مما هي عليه الآن، والعالم كله يتفق، كلامياً على الأقل، على الفكرة التي تعتبر أن الـديـمـقـراطية وحرية الصحافة لا تنفصلان. ولكن يتهم الصحافيون أحياناً بأنهم يسيئون استعمال حريتهم، ويجعلون منها حجة لعدم مسؤوليتهم: فالصحافة قد تعطي الانطباع بأنها «تتحول إلى جرفية اللامسؤولية» بحسب تعبير جان ـ لويس سرفان – شرایبر (Jean-Louis Servan-Schreiber).
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٠٨
وهكذا افتتح عصر الشك: وظهرت كلمة «التضليل الإعلامي» من جديد، لتدل على ما سمي «بالدعاية» في أوقات أخرى ولأنظمة أخرى. هذه المرة، تدل الكلمة على حقيقة مختلفة تماماً: ليست «المناورات الخاصة» للينين عام 1921، لزعزعة البلدان الرأسمالية، ولا الـمـسـرحـيـات الـنـازيـة التي كشفها سيرج تـشـاكـوتـيـن (Serge Tchakhotine متأخراً، بل ذلك التراكم من العجز والتقصير الذي أصبحت نتائجه على الرأي العام وعلى الروحية العامة أكثر سوءاً كلما بقيت غالباً غير معلنة أو غير معاقبة. يبدو أن بعض الوقائع تعرض بشكل جزئي! وأخرى تهمل أو تُنسى وحسب! بينما تضخم أخرى، مما يعطيها أهمية لا تملكها، في جميع الأحوال، إن الاتهام سهل وغير عادل. تُتهم وسائل الاتصال بأنها تريد أن تدمغ الجمهور، بمعزل عن إرادته، برأي أو بإيديولوجية، مع تلكئها عن إعلامه بموضوعية قدر الإمكان. بهذا المعنى يصبح التضليل الإعلامي اسماً آخر للدعاية. ولكن مع فارق كبير: التضليل الإعلامي لا يعلن عن هويته الحقيقية، حتى أنه يدعي عمل عكس ما يعمل، حتى لا يدخل أي شك أو يثير أية مقاومة. هناك، بالطبع، أبعد من فضح «انزلاق» بعض الريبورتاجات، فتُتهم جميع أجهزة الإعلام أو أكثرها بسوء النوايا. إن فضح الأخطاء مشروع وصحي؛ والاتهام بالتضليل الإعلامي يحول الصحافيين إلى كبش محرقة، مما يعرض الديمقراطية لتهديد كبير. والانتقال من الفضح إلى الاتهام ليس مؤكداً. وهو بلا شك قليل الاحتمال، مع أنه يبقى ممكناً.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٠٩
