الملتي ـ ميديا (وسائل الاتصال المتعددة) : فرصة للتربية
لقد ذكر التلفزيون الذين حاولوا النسيان: بأنه لا يحل محل المدرسة، شأن الكتابة التي لم تحل محل الكلام. لقد فرض الواقع نفسه قبل وصول الملتي – ميديا: فوسائل الاتصال، بالنسبة إلى الـمـربـي، ليست إلا أدوات مساعدة ولكنها ضرورية، شرط أن تستخدم في موقعها الصحيح. فالإنسان، لكي يفكر ويدرس او يبدع، يحتاج غالباً إلى هذه الوسائط نفسها، التي عليه أن يتعلم استخدامها بتبصر الإنسان الذي يفكر لا يشبه غالباً التمثال الذي نحته رودان (Rodin)، مجرداً ليس لديه ما ومن يساعده على تكوين فكرته والتعبير عنها. بعد العام 1990، ذهبت الملتي – ميديا أبعد من التلفزيون
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٢
على طريق التربية، كما استخلصت الدروس من فشله أو من أوهامه. إن الملتي – ميديا، سواء كانت بواسطة ركيزة مستقلة – سي دي – روم (قرص ذاكرة) أو دي في دي (قرص مرمز رقميا) ـ أو بالاتصال عبر شبكة / موقع أنترنت أو باقة خدمات – يمكن استخدامها بسهولة فائقة من قبل أي «متعلم»، مهما كان عمره. فإحدى حسناتها جعل فردانية مسار التعلم ممكنة: فالتلميذ يدرس وفق وتيرته، متى يشاء وحيثما شاء، دون أن يحمر خجلاً عندما يخطئ. وهكذا، فإن أدوات الملتي – ميديا، بالنسبة إلى المدرسين، تصبح أكثر من مساعد بسيط.
فهي تشكل مقوياً حقيقياً ودافعاً لا بديل عنه، ليس فقط تفتح الباب واسعاً للوصول إلى كل أنواع «الوثائق»، من خلال مكتباتها ومتاحفها وموسوعاتها أو معارضها المصورة، وإنما تسمح أيضاً، بفضل التفاعلية، بمسار تربوي ناشط يقدم للمعلم قائمة شخصية بالصعوبات التي تعترض كل تلميذ وتدعوه إلى تجاوزها بوسائله الخاصة، دون أن يترك رفاقه أبدأ ودون أن يتعرض لسخريتهم. لقد أصبحت الملتي – ميديا في وضع المميزة للتعلم عن بعد، في كل أنحاء العالم. كان هذا النوع من التعليم، لفترة طويلة، يتوجه إلى الذين لديهم، لسبب أو لآخر، ما يمنعهم من التنقل للذهاب إلى المدرسة أو إلى الثانوية أصبح العلم بعد الآن يذهب إلى التلميذ بدلاً من العكس.
وهكذا، لم يعد التعليم عن بعد حالة استثنائية محصوراً ببعض الأشخاص البعيدين مؤقتاً أو نهائياً عن معلميهم؛ لقد أصبح نمطاً جديداً لاكتساب المعارف والمهارات وشكلاً جديداً لنهل المعرفة بفضل الملتي – ميديا، لم يسبق أبداً للمعلمين أن كانوا قريبين إلى هذا الحد من «المتعلمين»، وكذلك
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٣
المعارف لم يسبق أن كانت سهلة المنال إلى هذا الحد أيضاً.
إن الملتي – ميديا، بين جميع وسائل الاتصال التربوية، هي بلا شك الأكثر تطوراً. ليس فقط من حيث اتساع المعارف التي تضعها بتصرف الجميع، ومن حيث «تفاعليتها»، التي تسمح بالوصول إلى ما نبغيه عند الطلب وعلى القياس ودون حدود، بل أيضاً من حيث تنوع أشكال التعبير التي تضعها تحت تصرف المتعلم ـ النص والصوت والصور والفيديو والمعطيات. فهي بتمكينها المعلم والتلميذ الانتقال بسهولة من شكل تعبيري إلى آخر، فإنها تأخذ من كل واحد أفضل ما عنده سواء ظهرت وسائل الاتصال كتهديد أو كفرصة، فإنها تشكل دائماً تحدياً للتربية، ودعوة ملحة إليها لتوضيح أهدافها، وربما ضرورة استرجاع دلالتها العميقة.
إن التربية تقوم بالمهمة التي عينها الفيلسوف أريك وايل (Eric Weil) لها: «العمل ـ فلسفياً – لجعل البشرية عاقلة» هنا تكمن إحدى فضائل الصعود المذهل لوسائل الاتصال المتعددة في التربية: إيجاد غائيات لكل شكل من أشـكـال الإعـداد – paideia ـ الـتـي مـيـزهـا أفـلاطـون فـي کتاب «الـجـمـهـوريـة»، الذي قـال عـنـه جـان جـاك روسو Jean-Jacques Rousseau) إنه «أجمل مؤلف تربوي وضع حتى الآن، كان فيلسوف اليونان القديم يعين للتربية وظائف متعددة. فتعليم اللغة كان يبدو له أوليا: أي القراءة والكتابة والوصف. في مصطلحات اليوم، قد نتحدث عن مفاتيح الوصول إلى المعرفة، تلك تمكن من تحديد ما يـحـتـويه فكرنا بصورة صحيحة ودقيقة وقاطعة»، على حد صيغة جاكلين دو رومیلی (Jacqueline de Romilly). تحدث أفلاطون (Platon)، بعد ذلك، عن كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٤
التعليم الموسوعي: تعليم العلوم المختلفة والمعارف والمهارات المتنوعة هذا الشكل الثاني من الإعداد يتوافق مع فكره «المتعدد التقنيات» وأخيراً، كان مؤسس الأكاديميا (Academia) في أثينا، يعلق أهمية كبرى أيضاً على إعداد المواطن الصالح – أي على التربية بالمعنى الأوسع والأنبل للتعبير، الذي يتناول اكتشاف الروائع وممارستها وكذلك الأعمال التي تعبر عن العبقرية البشرية، وعلى تعلم الحياة في المجتمع أو داخل المدينة.
إن الحديث عن هذه الغايات الثلاث، كما يدعونا إلى ذلك صعود وسائل الاتصال وزوال الأوهام عن المؤسسات التربوية، يعني الإشارة إلى أي حد هي متكاملة. حتى ولو لم تحتل كل واحدة المركز نفسه بالتمام في الحقبات التربوية المختلفة، من الحضانة حتى الجامعة هو أيضاً الإيحاء إلى أن استخدام الملتي – ميديا ليس نفسه، وليس له الدلالة نفسها عندما يتعلق الأمر بتعلم التعبير – التكلم وإيجاد الكلمات لنوصل ما نريد قوله ـ أو التدرب على المعارف أو على المهارات الضرورية لممارسة مهنة معينة، أو التمرن على المشاركة في قضايا المدينة والعيش بانسجام مع الذين يؤلفونها. لا يجوز، في الواقع، الخلط بين وسائل الاتصال. فليس لها جميعها، بالنسبة إلى المربي المحترف أم لا، الفضائل نفسها مع التفاعلية، فتحت الملتي – ميديا على الخط الطريق أمام الوصول إلى «وثائق» متعددة يجب أن نكون قادرين على إيجادها، أو حتى عارفین، قبل استخدامها، عما نبحث. يجب، بعبارات أخرى، أن نتعلم «الإبحار»، دون أن نغرق، في محيط الإنترنت. إما أن نذهب إلى المكان الصالح، لنبحث عما نرغب في إيجاده؛ وإما أن نستقبل ما اختاره لنا المحترفون، لأننا نثق بهم. في الحالة الأولى، لا يجد
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٥
الزبون الناشط أمام شاشته إلا ما يبحث عنه؛ وفي الحالة الثانية، يكون سلبياً فيكتشف غالباً ما ليس له أية فكرة عنه.
وهكذا، بالنسبة إلى شبكة الإنترنت، يواجه المهندسون تكنولوجيا السحب pull وتكنولوجيا الدفع push: فالمبحر على الإنترنت قد يسحب تارة «المحتويات» نحوه، وطوراً يكتفي باستقبال ما «يدفعه» الآخرون أو يوصلونه إلى حاسوبه.
ويأتي الصعود المذهل للملتي – ميديا ليؤكد الدرس الذي أعطانا إياه التلفزيون وهو: أن المعلم ليس له بديل. هو وحده يستطيع في الوقت نفسه تعليم التلاميذ أن يعبروا ويحكموا أو يـتـعـلـمـوا الـعـيـش سـويـة.
وإذا حررته الآلة ـ الـسـي دي – روم (القرص الذاكرة)، والقرص المرمز رقمياً، مراجعة بنوك المعطيات ـ مما هو أوتوماتيكي، فإنه سيخصص وقته لما يستطيع وحده أن يفعله أو يعرف كيف يفعله: زرع الفكر النقدي وإيقاظ الفكر المدني. إن تقدم وسائل الاتصال ـ من حيث وفرتها وتنوعها ـ حدد لها مقامها: أي مقام المساعد، فهي خادمة وليست سيدة.
هذا التقدم نفسه هو الذي يميز رسالة الصحافي عن رسالة المربي. «نحن الصحافيين، كان يقول جان شويبل (Jean Schwoebel) عام 1960، مـدرسـو الـقـرن العشرين».
إن هذا التقمص خطر على الحريات، كما كان أيام بلزاك (Balzac)، تمثل الصحافيين بالكتاب السياسيين، أو برجال الأدب. لوسائل الاتصال، في المجتمع الديمقراطي، رسالة إيقاظ الفضول لمواضيع أو لقضايا – عامة على وجه الخصوص – وحده التعلم في المدرسة يمكن من فهمها. . وبموجب هذه المبادئ نفسها التي تجعل ارتياد المدرسة إجبارياً للجميع، فإن استعمال وسائل الاتصال يصبح اختبارياً، مما يوجهها نحو التسلية.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٦
فما كان يؤكده ستيفن جوبس Steven Jobs)، المشارك تأسيس شركة Apple حول أقراص الذاكرة، عام 1999، يطبق أيضاً على وسائل الاتصال الأخرى: «يمكننا أن نضع على قرص الذاكرة مجمل المعارف. وبالإمكان إقامة موقع أنترنت في كل صف. لا شيء من كل هذا سيئ في العمق، إلا إذا أوقعنا هذا في وهم أننا بذلك نتصدى إلى سيئات التربية». وإذا صدقنا أفلاطون، لكي تكون التربية ممكنة، يجب ألا يكون المجتمع «فاسداً» «بالفرصة الأخلاقية» (Moira)، التي ذكرها الفيلسوف في كتابيه «مینون» «Menon» و «الجمهورية».
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٧
