التلفزيون تحد للمعلمين وللأهل لفترة طويلة
تقاسمت المدرسة والعائلة مع الدين مهمات التربية والتي كان يسميهـا مـونـتـاني (Montaigne) «تأسيس» الأطفال وبعد عشرات السنين من التنافس والتشكيك المتبادل انتهت هذه الجماعات إلى إيجاد تسوية مؤقتة يبدو أن كلاً من الأهل والرهبان والمعلمين ضمن حقه الشرعي؛ فتوافقوا، وفق كل المظاهر، على مهامهم المتخصصة، حين يرغب البعض في عدم التدخل مع منافسيه الذين هم في الوقت نفسه شركاؤه.
منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين، لم تخاطر أية وسيلة من وسائل الاتصال الكبرى – لا الصحف، ولا السينما، ولا الراديو – بولوج عالم التربية، من تلقاء نفسها. وحدها الأنظمة التوتاليتارية – السوفياتية والنازية والفاشية – أكرهتها على ذلك، واضعة كل واحدة منها في الخدمة الحصرية لدعايتها.
لكن خارج هذه الأنظمة، على الأقل في الديمقراطيات الجديرة بهذا الاسم، كانت وسائل الاتصال ترفض جعل التربية بين أولوياتها، سواء عن مبدأ أو عن مصلحة فرسالتها كانت غير ذلك: الإعلام أو التسلية.
إذا صادف وقاموا بالتربية – بتعليم شيء ما والإسهام في تكوين حكم مايكون ذلك على الدوام أمراً مضافاً، وليس بقرار مسبق. منذ نجاحاته الأولى في الخمسينيات، غير التلفزيون بصورة فظة المعطيات.
للمرة الأولى تتحدى وسيلة اتصال المؤسسات الناذرة نفسها تقليدياً للتربية. فالمدرسة والعائلة والكنائس الحائرة بين القلق والانبهار وجدت أسباباً حقيقية أي كان
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٠
للتساؤل حول تأثير التلفزيون والدور الذي يتوجب عليها تجاهه، وحول الرسالة التربوية التي يجب أخيرا تعيينها لهذا المولود الجديد بين وسائل الاتصال الإعلامية.
لقد قلق معلمو المدارس، قبل الأهل، من أن يمس التلفزيون سلطتهم وهيبتهم أمام تلاميذهم فهذا المدرس في إحدى قرى منطقة بريتاني الفرنسية يؤكد عام 1964، رداً على سؤال كلود بريمون (Claude Bremond): «أنا، لا أستطيع أن أقدم إرضاء فورياً، إنني معلم المدرسة، أرتدي المريول الرمادي، وبيدي طبشورة، كيف أستطيع أن أنافس ما هو بالضبط جذاب ومغر ويدخل الارتياح فوراً على التلفزيون؟ هذا الاعتراف بالعجز يضاف لدى الرأي العام إلى الاتهامات التي يوجهها الكتاب ضد التلفزيون: معرفة متناثرة، سطحية، يثير الانفعال وليس العقل
وفي الوقت الذي تهاوى فيه المعلمون والأهل ـ أو اعتقدوا أنهم تهاووا ـ من مقامهم الرفيع، يبدو أن التلفزيون أنزل الكتابة عن عرشها، حتى استطاع ماك لوهان أن يعلن انتصار ماركوني على غوتنبرغ. لم يتوقف التلفزيون عند هذا الحد، فالحكومات نفسها اعتبرت أنه لا يحق لها حرمان التربية ـ بمعناها الواسع ـ من هذه الوسيلة الخارقة. ففي فرنسا، على مؤسسة RFT ووريثتها بعد 1964 ORTF (مصلحة الراديو والتلفزيون الفرنسيين)، وفق ما ينص نظامهما أن تقوم بالإعلام والتربية والتسلية.
إذن، لهذه النافذة الرائعة على العالم مهمة التخفيف عن الأهل والمعلمين بقسم من حملهم. وقد اعتُبر التلفزيون «مدرسة موازية»: فالتعبير يتضمن أنه يتقاسم مع المدرسة حملاً أصبح ثقيلا بالنسبة إليها، فالأوهام حول مدرسة أكثر فرضاً للمساواة أو أكثر إنتاجاً للتفاوتات الاجتماعية مما تريد، أضيفت إلى الفضائل المسندة إلى التلفزيون.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩١
ولدت التلفزيونات المدرسية أو التربوية في كل أنحاء العالم، بين 1960 و1970، من سؤال لا يشك أبداً في الجواب عليه: لماذا لا ينجح التلفزيون حيث قصرت المدرسة والعائلة، أو حيث فشلتا؟ ففي البلدان الغنية، كما في البلدان المعدمة غالباً، وفت المحطات الجديدة بوعودها: فبرنامج سيزام ستريت (Sesame Street) علم الأبجدية لعشرات ملايين الأطفال في العالم؛ هناك برامج تربوية بنت في البلدان النامية لها أهداف صحية أو للإعداد المهني. لقد فشل التلفزيون التربوي كل مرة حاول فيها الحلول محل الأستاذ أو اكتفى بتصوير المعلم أمام اللوح الأسود.
كان هناك أمل أحياناً، دون الإفصاح عن ذلك، لقولبة المدرسة بواسطة التلفزيون، أو بعبارات أخرى، استبدال المدرسة بالتلفزيون.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٩٢
