من الإعلانات الصغيرة المبوبة إلى الإعلان
ولد الإعلان مع الصحف الأولى. منذ عددها السادس، عام 1631، أخـذت صحيفة La Gazette de Renaudot (لا غازيت دو رينودو)» تقوم بالدعاية. وفي العام 1836، أكد إميل جيراردان (Émile de Girardin) للمرة الأولى أنه «على الإعلانات أن تدفع للصحيفة» فمداخيل صحيفة «لاپرس La Presse» من الإعلان فاقت العامة تلك التي تأتي من الاشتراكات، بعد السنة الرابعة على إنشائها.
كان الإعلان موجوداً، بالطبع، قبل نشوء الصحافة الحديثة. فالأثينيون كانوا يقومون بالدعاية عندما كانوا يناقشون القضايا مع مواطنيهم في الساحة العمومية آغورا (agora)، وعندما كانوا يتمرنون على الخطابة.
وفي بداية عصرنا، كان الرسل يمجدون تعاليم المسيح؛ كانوا يقومون بنشر «الخبر السار». وفي عصر شارلمان (Charlemagne)، كان علماء ايكوسيا وإيرلندا يجتازون الـمـدن صارخين «نحن تجار علم. من يريد شراء الـعـلـم؟»، ومنذ 1482 علق في باريس للمرة الأولى ملصق في
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٨٢
أمكنة مختلفة جاء فيه: «يدعو الغفران الكبير لسيدة باريس Notre-Dame de Paris المؤمنين إلى المشاركة في العيد الديني الذي ينظمه مجلس كهنة رانس Reims تدل هذه الأمثلة، منذ الأغورا agora في المدينة اليونانية وحتى ملصقات الأعمدة رامبوتو Rambuteau»، في القرن التاسع عشر، على أن الإعلان كان يخضع كليا لمقاصد السياسة والدين. فـالـمـوالـيـد الأولى من وسائل الاتصال ـ الصحف ـ هي التي حررته، ومكنته من خدمة مقاصد أخرى.
وهكذا، بفضل الصحافة، أصبح مصير الإعلان، بعد الثورة الصناعية، مرتبطا باقتصاد السوق. وقد فقد قليلا من وهجه ومن مكانته ليصبح، في مفترق القرن العشرين، «نفعيا، وحسب. فالإعلان، ابن الدعاية، كان في خدمة التجار وليس الأمراء، ولكنه يستخدم دائما الوصفات نفسها، وصفات الإغراء وتقديم البراهين.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٨٣
دخل الإعلان مرحلة البلوغ، بعد منعطف سنوات 1930، تحت التأثير المشترك لصعود وسائل الاتصال والمكتسبات الجديدة للعلوم المسماة «إنسانية».
فقد أصبحت وسائل الاتصال والإعلان تتقدم على الوتيرة نفسها. تتبادل الدعم لغزو مواقع جديدة تطور البراهين نفسها وتتذرع بالقيم نفسها، تجاه الذين يشككون في عملها وحتى في وجودها.
في العام 1789، كان بايي (Bailly)، عمدة باريس، قد حفر على مدالية بائعي الصحف ينادون بها: «الإعلان هو حماية للشعب». كان الإعلان يؤمن مجمل تمويل بعض الصحف التي توزع في علب البريد مثل النشرات البسيطة. أخيراً، اغتنى الإعلان بملامسته لمواضيع أخرى العلاقات العامة، التسويق ، كما تغذي في الوقت نفسه بتعاليم علم النفس وعلم النفس الاجتماعي واستطلاعاتهما ونظرياتهما، على الأقل حتى الثمانينيات من القرن العشرين. حتى الأزمة الكبرى، عام 1929، التي ولدت الـتـسـويـق مجموعة التقنيات التي تمكن، بواسطة التحقيقات والتوقعات، من إجراء تكيف أفضل بين العرض والطلب كان الإعلان يمارس دون تعلم كان فنا أكثر مما هو تقنية، ممارسة دون نظرية، ارتجالاً أكثر منه تطبيقاً لمعرفة أو لمهارة.
بينما أصبحت العلوم الاجتماعية وعلم النفس شعبية، ارتفع الإعلان إلى مقام العلم بالكامل، وذلك بأسسه الثابتة ومحترفيه المفوهين والرقابة الذاتية الفعالة على أعماله.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٨٤
