أخبار للإعلام
لقد اخترعت الصحف اليومية في القرن التاسع عشر، الأخبار – الإعلام ـ على خلفية الثورة الصناعية والمعركة من أجل الحريات، الشخصية والسياسية. هذه الصحف ـ من «التايمز Times»، التي نشأت في لندن عام 1785، إلى «وول ستريت جورنال Wall Street Journal»، الذي أنشئ في نيويورك عام 1889 – هي التي عينت للصحافيين مهمتهم: التحدث «عما يجري» من الأخبار.
لقد صنعوا من الإعلام ليس فقط علة وجودهم، وغايتهم
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٦٥
القصوى، بل أيضاً مؤسسة بكل ما في الكلمة من معنى، بتقنياتها ومهنييها وأنظمتها دوراً حاسماً في فالتايمز التي كانت تتمتع بحرية أكبر من زميلاتها، لعبت هذا الإطار بعد أن حصلت على شهرتها بأنها مستقلة عن الحكومة، ذاهبة حتى إلى الوقوف مع الملكة كارولين (Caroline)، عام 1821، ضد زوجـهـا جـورج الـرابـع (George IV) الذي أقام دعوى ضدها بتهمة الخيانة الزوجية، أنشأت الصحيفة اليومية شبكة من المراسلين وحاولت أن توازي بين الأخبار المحلية – المحليات الصغيرة – والأخبار الوطنية والخارجية المحليات الكبرى
حددت التايمز أيضاً على صعيد العرض فكانت تعطي أهمية متزايدة على الدوام لصياغة الأخبار ولتبويب العناوين، فأدخلت بصورة خاصة عناوين فرعية لجعل القراءة أكثر سهولة بعد بضع سنوات لاحقاً أنشئت الوكالات الصحافية التي بدأت تنتشر في العالم بشبكاتها من المراسلين فأسست «هافاس Havas» التي كانت في أساس وكالة الصحافة الفرنسية عام 1835، والوكالة الألمانية وولف (Wolff) باشرت خدماتها عام 1849 والبريطانية «رویترز Reuters»، بعد سنتين من ذلك. لقد اكتسبت هذه الوكالات انتشاراً عالمياً منذ بداياتها، بخلاف الوكالتين الأميركيتين «اسوشیتید برس ويونايتد برس Associated Press, United Press» اللتين فتحتا على التوالي عام 1848 وعام 1907. إن امتهان الصحافة، الذي بدأ في إنكلترا، تتابع في الولايات المتحدة حتى نهاية القرن التاسع عشر. فالعيوب في التلغراف هي التي فرضت على المراسلين القواعد الأولى للصحافة، خلال
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٦٦
الانفصال بين 1861 و1865 الهرم الـمـقـلـوب الذي أقام مبدأ الخلاصة قبل عرض التفاصيل، من أجل تجاوز الانقطاعات في التلغراف؛ واحترام الـ W (دبليو) الخمسة – (?why? where? when ?what? who) من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ لماذا؟ ـ لتكون القصة مفصلة؛ وأخيراً الالتزام بأسلوب شخصي ومجرد، في متناول كل القراء. وقد أدى نجاح الصحف إلى اعتماد الصحافة الأميركية قواعد أخرى، تلك التي تستجيب لمثال الموضوعية فتابعت حركة تمركز المجموعات الصحافية، وهي حركة لا تقاوم أجبرها منطق العدد الكبير على تقديم أبواب كثيرة، دون أن تتعرض إطلاقاً لتهمة التحيز وقبل أن ينتهي القرن، كانت المدارس الصحافية وروابط الصحافيين قد بدأت تؤمن رسوخ هذه القواعد التي حرص على احترامها عفوياً مراسلو حرب الانفصال، والذين جاؤوا بعدهم مباشرة.
وهكذا أصبح الريبورتاج بفنه ومعلوماته نموذج الصحافة الأنكلو – سكسونية.
فكان يقصي «الأخبار» التي يكتبها رينودو (Renaudot) وجيراردان (Girardin) في ما قبل تاريخ الصحافة، جاعلاً من الإعلام مؤسسة رئيسية في الديمقراطيات الحديثة.
فالصحافة «تكتب التاريخ في صيغة الحاضر»، بحسب تعبير ألبير كامو (Albert Camus) الموفق.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٦٧
