ليست هناك وسيلة اتصال طبعت القرن العشرين مثلما طبعه التلفزيون لا الصحافة التي استعار منها المحترفين لنشراته الإخبارية المتلفزة، ولا السينما، أو الراديو اللذين داس على حطامهما دون حياء لملء شاشاته وغزو مشاهديه. بين العامين 1950 و2000 امتزجت مغامرته بتقدم التقنية وبالمعارك من أجل حرية التعبير. و«التلفزيون الجديد»، «نافذة العالم»، بفضل الكابلات والأقمار الصناعية، هو الأكثر وفرة والأكثر تنوعاً، سواء كان محلياً، إقليمياً أم كونياً. إن قدرته على التأثير هائلة دون أدنى شك. حتى ولو كانت أقل من ذلك على الانتخابات مما هي على الرأي وحالة العالم. هل التلفزيون مع ذلك فن، شأن السينما؟ هل بإمكانه أن يتساوى مع الصحافة، على أرضية الإعلام؟
أولا : التلفزيون، من عام 1950 إلى عام 2000 وجدت كلمة «التلفزيون» قبل وجود الشيء الذي تدل عليه. استخدمت للمرة الأولى بمناسبة المعرض العالمي في باريس، وكانت تدل في البداية على نقل الصور المتحركة والأصوات إلى
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٩
مسافة بعيدة. يعود اكتشاف هذه التقنية إلى العام 1923. فالصورة المنقولة بفضل الموجات الهرتزية من قبل البريطاني جون لوجي بيرد (John Logie Baird) لم تكن تحتوي إلا على 16 خطأ. كانت التجارب الأولى حاسمة، في الولايات المتحدة أولاً عام 1928، ثم في فرنسا بعد ثلاث سنوات، بفضل رينيه بارتيلي (René Barthelemy) وهنري دو فرانس (Henry de France). لقد بث أول برنامج رسمي من برج إيفل على 180 خطأ في 25 نيسان/ أبريل عام 1935، عند الساعة الثامنة والربع مساء. وإنكلترا أطلقت أول برنامج رسمي لها عام 1936. في العام 1939، كان جهاز برج إيفل ينقل خمس عشرة ساعة من البرامج في الأسبوع على 455 خطأ. أخيراً، في العام 1949، أصبحت الـ 1500 جهاز تلفازي، في المنطقة الباريسية، تستقبل النشرة الإخبارية المتلفزة مرتين في اليوم على 819 خطاً. العاملة سـمـحـت ال أف لكن تاريخ التلفزيون بدأ في أواسط القرن. منذ العام 1948، (FCC) بفتح أكثر من مئة محطة معظمها، من خلال التجمع في نقابة، ولد الشبكات المقبلة – شبكات سي بي أس (CBS) وإن بي سي (NBC) وإ بي سي (ABC). وفي فرنسا، تطابقت المبيعات الأولى الكثيفة لأجهزة التلفزيون مع نقل تنصيب الملكة إليزابيت الثانية (Elizabeth II من لندن في 2 حزيران/يونيو عام 1952. منذ ذلك الحين بدأ منتجو السينما ومسؤولو المسارح يقلقون على المستقبل أمام التنافس الذي سيكون في نظرهم خطيراً. في العام 1960، انتخب جون كندي (John Kenedy) رئيساً للولايات المتحدة، وقد أجمع الصحافيون والسياسيون تقريباً على عزو انتخابه إلى تقديماته المتلفزة. ومن الآن فصاعداً، أصبح التلفزيون يحدد مصير الانتخابات، يصنع الشهرة ويهدمها.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٠
لقد أصبح التلفزيون ، في أقل من عشر سنوات، وسيلة «اتصال جماهيرية» فانتقل من كونه فضولية تقنية قبل العام 1950، إلى غزو أكبر عدد من الـمـشـاهـديـن. ففرض قواعده في مجالات الإعلام والترفيه وإحياء الحفلات. وفي البلدان الأكثر تقدماً، خضع لقوانين الاحتكارات الإعلانية. كانت هناك محطتان أو ثلاث محطات تتنافس، بينما استمر الاحتكار العمومي على الموجات والبرامج، في فرنسا دشنت المحطتان الثانية والثالثة على التوالي عام 1964 وعام 1972. وفي الولايات المتحدة، سجل نشوء «مصلحة الصندوق الـمـنـزلي» » «HBO) «Home Box Office)، دخـول الـتـلـفـزيـون عـصـره الثاني. فالمحطة الجديدة المدفوعة التي بالكابلات المحورية، وليس بالموجات الهرتزية التقليدية، وتصل من الشرق إلى الغرب بواسطة الأقمار الصناعية، أخذت تبث الأفلام السينمائية فقط. هذا التجديد غير المتوقع كان مزدوجاً: من جهة، تخلى التلفزيون عن نظام «الثلث المدفوع»، لأن المشاهد يدفع اشتراكاً مباشرة لمحطة البث؛ ومن جهة ثانية، حطم طوق الندرة الهرتزية ليدخل في عصر الوفرة والتنوع، مع الخماسي الرابح الذي يشمل السينما والرياضة والإعلام والموسيقى وبرامج الأطفال. فالمحطات المسماة «ذات موضوع» أو المتخصصة أصبحت أكثر عدداً، مكملة لا غنى عنها للمحطات العامة. وليست إضافات فضفاضة واختيارية. قبل بضع سنوات من نهاية القرن، دخل التلفزيون في عصره الثالث عندما بدأ اعتماد العددية ـ أي ترجمة الأصـوات والصور إلى لغة الإعلامياء، المكونة من توالي العددين صفر وواحد (1،0). لقد سبق لعائلة الأقراص المضغوطة أن تضخمت كثيراً مـن الـسـي دي CD حـتـى الـدي في دي – فيديو
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤١
(DVD Video) أو الـروم (Rom)، مروراً بـالـسـي دي – روم. فالأصوات والصور، وكذلك النصوص والرسوم البيانية، يمكن الآن الحصول عليها بطلب بسيط، انطلاقاً من التلفزيون العائلي. ومع التلفزيون العددي بالقمر الصناعي – (Direct TV) ـ الذي دشن في الولايات المتحدة عام 1994، فتحت التفاعلية آفاقاً جديدة للتلفزيون. لقد أصبح بالإمكان الحصول على كل شيء بفضل التلفزيون: الأفلام، المعلومات وكذلك الخدمات التي كانت حتى الآن محصورة بالمنظم الآلي. وهكذا، بعد الوفرة ـ 20، 100 أو 500 محطة – اكتشف التلفزيون التفاعلية قبل العام 2000 بقليل. وأصبح المشاهد. من الآن فصاعداً، هو الذي يعطي الموعد للتلفزيون.
ثانياً : خمسة أحداث كبرى صنعت التلفزيون
1936 ـ نقل الألعاب الأولمبية في برلين إلى المدن الألمانية الكبرى. الثانية
1948 ـ نقل وصول متسابقي الدراجات في دوري فرنسا مباشرة بفضل التي تصوير.
1949 ـ أول نشرة إخبارية تلفزيونية في فرنسا.
1952 ـ أول مباشر دولي، بمناسبة تنصيب الملكة إليزابيت
1968 ـ انطلاق مبيع أجهزة التلفزيون الملونة بمناسبة الألعاب الأولمبية في غرونوبل (Grenoble).
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٢
ثالثاً : عامة أم خاصة :
وضعيات متنوعة وموضع اعتراض ما هي القواعد التي يضطر مسؤولو البث إلى الخضوع لها؟ ما هي أشكال عملهم؟
إنها عديدة ومتنوعة: عامة أو خاصة، محلية أو عالمية، عمومية أو محصورة في موضوعات محددة، مجانية أو مدفوعة، عادية تقليدية أو تفاعلية، هرتزية، بالكابل أو بالأقمار الصناعية… إن مثل هذا التنوع لا يشجع أية محاولة للتصنيف.
ولكن هناك ثلاثة أسئلة تمكن من تحديد المعايير التي تميز المحطات التلفزيونية عن بعضها بعضاً، ولكنها لا تساعد على تصنيف الأنظمة المطبقة عليها
١- من كان في أساس إنشاء المؤسسات التي تعرض برامج تلفزيونية على الجمهور؟ الدولة؟ أم المؤسسات الخاصة؟ أم شركات الحقوق الخاصة ذات الرساميل العامة؟ أم الروابط؟ كل الصيغ موجودة منذ بداية التلفزيون. إن الصورة المبسطة هي التي تواجه بين الاحتكارات العامة على النمط الأوروبي والمحطات الخاصة، أو الخاضعة، كما في الولايات المتحدة، إلى قوانين التنافس وحدها.
٢- من يمول هذه المؤسسات؟ الدولة؟ أم الرسم على غرار الضريبة، كما في فرنسا؟ أم المعلنون؟ أم المشاهدون أنفسهم، على شكل اشتراك، كما هو الأمر بالنسبة إلى محطة كانال+ + Canal، أو على الجلسة، بالنسبة إلى بعض الأفلام أو بعض مباريات كرة القدم؟ هنا أيضاً كل الصيغ موجودة في عدد من البلدان يرتفع باستمرار.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٣
٣- بأي درجة من الحرية تتمتع المحطات لإعداد شبكة برامجها؟ ولتحديد محتوى البرامج المختلفة، سواء الخيالية أو الإعلامية، واختيار جنسية الأفلام أو الهدف من البرامج الأخرى؟
ولفتح حلبة التلفزيون أمام كل تيارات الرأي، أمام مختلف الأحزاب السياسية والطوائف المتنوعة؟ هنا أيضاً تتنوع القواعد، وكذلك تتنوع أشكال مراقبة المحطات والعقوبات المحتملة تجاهها.
في هذا الإطار، وحده تحليل تاريخ التلفزيون في مختلف البلدان يمكن من تجنب فخ المقارنات السريعة أو التقاربات الخادعة.
بالنسبة إلى المحطات التلفزيونية الأوروبية، كان التلفزيون الأميركي يعتبر منذ بداياته كمنفر وكمصدر إلهام في الوقت نفسه، بعكس الأميركيين، اعتبر الأوروبيون أنه لا يجوز «التخلي» عن التلفزيون للمبادرة أو للمصالح الخاصة. لذلك كلفوا الدول بإنشاء الهيئات المعنية.
تجاه الاحتكارات التي أقامتها ـ بي بي سي BBC، أر أف تي RFT أو الراي RAI (إيطاليا) ـ كانت الدول تعمل، وفق صيغ متنوعة، كمشرعة، معدلة، مديرة، أو ممولة.
وهكذا، فإن خيار أوروبا بالنسبة إلى التلفزيون، كان معاكساً، ليس فقط لأميركا، وإنما أيضاً للخيار الذي اعتمدته هي في القرن التاسع عشر، بالنسبة إلى الصحافة: كانت الصحف تؤسس في أوروبا من قبل مقاولي القطاع الخاص، دون إذن مسبق.
إن التاريخ المقارن للتلفزيونات الأوروبية يظهر، لسنوات 1970 و1980، نهاية احتكارات القطاع العام وصعود المحطات الخاصة. فالذي فتح الثغرات الأولى في الاحتكارات هو التقدم التقني: إنشاء محطة ثانية عام 1964 في فرنسا، وعام 1969 في السويد
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٤
و1972 في إيطاليا؛ ودخول التلفزيون في عصره الثاني بفضل الكابلات والأقمار الصناعية، بعد العام 1975.
إلا أن هذه الصدمات الفاصلة لم تكن كافية.
لم تستطع التلفزيونات الرسمية أبدأ كسب مصداقية على الصعيد الإعلامي، مما جعل احتكارها فجأة موضع شك.
فقد طرح السؤال التالي: لماذا لا تطبق على التلفزيون القواعد التي تجعل من الصحافة اداة حرية؟
كانت إيطاليا أول من أعطى المثل لأوروبا: في العامين 1974 و1976، أصدرت المحكمة الدستورية حكمين يعتبران احتكار الدولة لمحطة الراي RAI غير دستوري. عملا بهذين الحكمين، دخل سيلفيو برلوسكوني Silvio Berlusconi) في مغامرة التلفزيون بالكابل، حول ميلانو، قبل أن يبث على الموجات الهرتزية برامجه لكل أنحاء إيطاليا.
وهكذا بدأ صعود المحطات التلفزيونية الخاصة في كل أوروبا دون مقاومة: مع الكانال+ في فرنسا عام 1984، تليها الأشكال الأولى للمحطة 5و6 عام 1985، والمحطة الرابعة عام 1982 في إنكلترا، وبالنسبة إلى ألمانيا محطات سات 1 RTL- TV Sat، عام 1985.
إن الصعود المذهل للمحطات التلفزيونية الخاصة لم يخضع للسيناريو نفسه في كل الأمكنة. ففرنسا ألغت، على الأقل شكلياً، احتكار الدولة للبرمجة في قانون 29 تموز (يوليو) عام 1982.
بعبارات أخرى، ضمنت حق القطاع الخاص في إنشاء محطات تلفزيونية، شرط الحصول على إذن مسبق كذلك ألغت كل من إسبانيا واليونان الاحتكار على التوالي عام 1988 و1989 والسويد رضيت بوصول محطة تبث باللغة السويدية بواسطة القمر الصناعي أسترا (Astra)، الذي تملكه اللوكسمبورغ، وهذه المحطة تبث من لندن ويمولها ملياردير يسكن في نيويورك. وأعطت
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٥
هولندا الضوء الأخضر لاستقبال محطة RTL4، عبر القمر Astra لكن القانون السائد بقي على حاله. أما البرلمان السويسري فقد فتح الباب للمحطات الخاصة بقانون فيدرالي بتاريخ الأول من نيسان / أبريل عام 1992.
رابعاً: محاكمة النوايا ليس هناك وسيلة اتصال، قبل التلفزيون، أثارت القدر نفسه من المخاوف.
هنا يكمن، بلا شك، التفسير الأساسي لتكريس القواعد مثل المراوغات التي تحيط به.
كان بلزاك (Balzac) يقول عن الصحافة، عام 1840، بأنها «إذا لم تكن موجودة، فلا يجوز اختراعها» لكن الدعاوى ضد التلفزيون أصبحت عديدة جداً، وذات دوي كبير بعد العام 1960.
لقد وضـع جـان كـازنـوف (Jean Cazeneuve) قائمة بسبعة مواضيع تساؤلات «هي، بنظر العديد من معاصرينا، أسباب للاتهام»: استقلاليته النسبية، تذوقه للعرض المسرحي، ديماغوجيته، إثارته للانفعال، احتقاره للثقافة، ممارسته أشكالا متعددة من العنف وأفضلياته للترفيه. إذا كان هذا الاتهام، كما يشير جان كازنوف، غير عادل غالباً، فإنه على الأقل يدل على المسائل المطروحة من قبل رأي عام قلق، وفي الوقت نفسه، على الأجوبة التي يسارع الحكام إلى تقديمها له.
ما هي المبادئ التي يجب على المحطات التلفزيونية الخضوع لها؟ ما هي الحدود التي يجب فرضها على حريتها؟ في الولايات المتحدة، كان القلق كبيراً قبل نهاية عام 1950.
فالجامعيون وأعضاء الكونغرس يرفضون المزج، أثناء بث البرامج، بين الدعاية والإعلام والعرض الترفيهي وأدت اتهاماتهم إلى إنشاء
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٦
جهاز رسـمـي عـام 1967، ال بي بي أس (PBS)، لا يـمـول مـن الدعاية وإنما من العطاءات فيصبح بالتالي بمنأى عن استبداد استطلاعات الرأي والمشاهدين. بعد أقل من خمس عشرة سنة سارت التلفزيونات الأوروبية، الواحد بعد الآخر على الصيغة الأميركية في «الضبط» من خلال وكالة مستقلة. فالمجلس الأعلى للسمعيات والبصريات (CSA في فرنسا) الذي حل عام 1989 محل السلطة العليا التي نشأت عام 1982، يستجيب للهواجس نفسها ـ أو للضرورات نفسها ـ التي دفعت، في الولايات المتحدة إلى إنشاء إف أر سي (FRC) عام 1927 للراديو وال أف سي سي (FCC) عام 1934. كان من المفروض سن قانون مختلف، تعاقدي أغلب الأحيان ومعد باسم المصلحة المشتركة من قبل مهنيين مستقلين.
وهكذا فالهدف هو إقامة ضبط من نمط ثالث وسيط بين ضبط القوانين والأنظمة، تكون الدولة هي أداته أو وكيلته، وضبط السوق الذي تكون قاعدته الذهبية التنافس والمطابقة. هل يجب الحديث عن تقارب بين أنظمة كانت حتى الآن متعارضة من حيث مبادئها التأسيسية؟ ليس إلى هذا الحد، بلا شك، وإنما عن استعارات متبادلة محددة جدا، للتوصل إلى تشابه ليس ظاهرياً وحسب، من الأفضل تفسير تغيرات وترددات القانون على أنها التعبير عن صعوبة قبول التحديات المطروحة على مجتمعاتنا من قبل التلفزيون، «العملاق الخجول» على حد تعبير مارشال ماك لوهان (Marshall McLuhan)
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٤٧
