مستمعون من نوع خاص الخمسينيات، سرق التلفزيون النجومية من الراديو، وسجل نصراً في كل مكان. إلا أن الراديو، منذ نشوئه، قد شق الطريق لـوسـائل الاتصال الكبرى في القرن الـعـشـريـن، الـتـلـفـزيـون والملتيميديا (وسائل الاتصال المتعددة). لقد أشار مارشال ماك لوهان (Marshall Mcluhan) عام 1964 في كتابه «لفهم وسائل الاتصال» إلى الحسنات الخاصة للراديو: «فهو يصل إلى الناس في حياتهم الخاصة. إنها علاقة بين شخص وشخص، تفتح عالما کاملا من الاتصال الضمني بين الفاعل ـ المذيع والمستمع. هذا هو الجانب المباشر للراديو (…) من الأعماق السامية للراديو يبرز الصدى الرنان للأبواق القبلية وللطبول القديمة».
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٦
إلى جانب السينما، يدل الراديو على الطريق إلى التلفزيون. لقد ولدت معه المؤسسات التي سوف تستقبل التلفزيون منذ سنواته الأولى: ال بي بي سي BBC، السي بي أس CBS أو أر أف تي RFT راديو فرانس – تلفزيون) كذلك، فالراديو هو الذي اخترع لوسائل الاتصال المستقبلية، برامج جديدة بإمكانها أن «تعجب وتغري» المستمعين المنتشرين والمتنوعين جداً. لقد جدد، بعد العام 1945، ببرامج فريدة، اتخذت أحسنها في فرنسا الأسماء التالية: إنهم يغنون في حينا، ملكة ليوم واحد، عائلة دوراتون في سنوات 1950 «جيء بالصحافيين إلى المذياع» على حد تعبير لويس مرلان (Louis Merlin)، المدير السابق لمحطة أوروبا رقم 1. (*)(Duraton) بعد العام 1960، أعطى الراديو لوسائل الاتصال الأخرى مفتاح النمو وهو: تنويع البرامج. بالرغم من ذلك، فإن وصول الترانزيستور، عام 1959 ـ 1960، مر ولم ينتبه له أحد في نظر الـمـراقـبـيـن الـمـحـتـرفـيـن. لكن، فإن تصغير أجهزة الالتقاط واستقلاليتها بفضل هذه التقنية، هو الذي دشن تجزئة المستمعين و«التقليل من كثافة» «وسائل الاتصال المتعددة». فبرامج مثل «مرحبا يا أصدقاء» (Salut les Copains) أو إذاعة أقوال الجنرال شارل ديغول من الراديو خلال حرب الجزائر، قد بشرت بهذا العصـر الـجـديـد: عـصـر الـجـمـاهـيـر المستهدفة والمنسجمة، أو الموضوعات المطوقة بصورة محكمة، الأقل توحيداً وإنما الأكثر جاذبية. بعد أقل من عشرين سنة لاحقاً، مع موجة الأف أم (FM)، برامج كانت لها شعبية واسعة في فرنسا.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٧
وصل الراديو حتى نهاية هذا المنطق. لقد تضاعفت البرامج، بينما أصـبـح الـمـسـتـمـعـون الـمـسـتـهـدفـون أقل عدداً: الشباب، عـشـاق الموسيقى، هواة الجاز… قدم الراديو لبعض المجموعات أو لبعض «القبائل» الاجتماعية إمكانية تأكيد ذاتها والإعلان عن نفسها، وحتى إمكانية أن تعي وجودها. واليوم، تسمح العددية للراديو بمتابعة تقدمه على طريق المستمعين الخاصين. في هذا الاتجاه، أصبحت هذه الوسيلة الاتصالية مبتذلة من جراء الاستعمال والتآكل.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٨
