الراديو والسلطة
الراديو هو أول وسيلة اتصال، في التاريخ، يستطيع الوصول مباشرة إلى جمهور كبير ومشتت. أما الصحافة والسينما فليستا وسيلتي اتصال منتشرتين: مع الراديو، حل المباشر محل المؤجل، والفورية أزاحت الوساطة، ولامادية الموجات سجلت قوتها، مقارنة بمادية ورق الصحيفة أو مادية قاعة العرض للسينما. لقد تحدث ليون بلوفيه (Léon Plouvier) مدیر رادیو – البريد ـ الشمال في مذكراته قائلاً: «كان الناس يستعجلون للعودة إلى منازلهم لكي لا يضيع شيء من أمسياتهم. لم يعد هناك تسكع في الحانات، ولم يعد الناس يلعبون الورق حول كأس. إلى حد أن نقابة بائعي المشروبات تدخلت إلى جانب البلدية لإلغائنا». لم تغفل السلطة السياسية عن حسنات الراديو. فقادة الاتحاد السوفياتي، منذ نشوئه، عام 1917، جعلوا الراديو وسيلة
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٤
لنشر تعاليمهم: في العام 1929 كان راديو موسكو يبث برامج منتظمة بلغات عدة موجهة إلى الخارج. وبعد بضع سنوات، أمر غوبيلز Goebbels) مواطنيه بفتح نوافذهم لإسماع الـجـمـيـع، عبـر الـراديـو، الـفـكـر الـنـازي. بـإمـكـان سـبـرج تـشـاكـوتـيـن (Serge Tchakhotine) أن يذكـر فـي كـتـاب شـهـيـر عـام 1939، «اغتصاب الجماهير بالدعاية السياسية». إن تأثير هذه الوسيلة الإعلامية يشبه الاستشراط الحقيقي. وفق نظرية بافلوف (Pavlov) تميزت الولايات المتحدة وبريطانيا، في ما بين الحربين، باعتماد أشكال تنظيم وأشكال تمويل للراديو تختلف عن تلك المستخدمة في الصحافة والسينما. بينما اخترعت بريطانيا الرسم الذي مكن الـ «بي بي سي» المحتكرة من أن تعيش دون اللجوء إلى الدعاية، فإن الولايات المتحدة ساوت قدر الإمكان نظام الراديو بنظام الصحافة. بعد فترة من التردد، تقرر عام 1927، بأن تـمـنـح الـوكـالـة الـفـيـدرالية (Federal Radio Commission)، التي أصبحت عام 1934 اللجنة الفيدرالية للاتصالات، إذناً بالبث للمحطات، أو بعبارات أخرى، حق استخدام هذه الثروة النادرة، التي يشكلها هذا الملك «العام» للموجات الهرتزية. ت في أوروبا، اختارت معظم البلدان، بين الحربين، طريقاً ثالثاً بين التنافس الحر على النمط الأميركي والاحتكار العام على النمط الإنكليزي. ففي فرنسا، أنشئت محطات خاصة عديدة، مستفيدة من الثغرة التي فتحتها عام 1922 محطة راديولا. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت الحكومة، عام 1927، داخل وزارة البريد، إدارة للراديو. وفي عام 1933، فتحت المحطة الوطنية le Poste، التي سبقت راديو فرانس الحالي، وتقرر فرض رسم معين. كل الامتيازات الممنوحة للمحطات الخاصة ألغيت بمرسوم،
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٥
في آذار/مارس 1945، قبل بضعة أشهر فقط من إنشاء الراديو والـتـلـفـزيـون الـفـرنـسـي (RTF) بـمـرسـوم، الذي أصبح احـتـكـاراً. والاستثناء الوحيد كان محطة راديو اللوكسمبرغ التي أصبحت RTL عام 1956: كانت تمول من الدعاية، وسرعان ما أصبح لها جمهور عريض من المستمعين. في العام 1955، أعطت محطة أوروبا رقم واحد، التي كانت تبث من منطقة السار (Sarre) في ألمانيا، الأولوية لنشراتها الإخبارية التي كانت تقرأ بصوت محايد قصداً، ولم يلغ احتكار الراديو بصورة شرعية إلا في العام 1982. مع الازدهار المنفلت للراديوات القراصنة أو الحرة، توالت على موجة ال FM (أف أم) حوالي 1500 محطة سمح لها بالبث من قبل السلطة العليا للسمعي – البصري التي سبقت المجلس الأعلى للسمعي ـ البصري (CSA) الهيئة الفرنسية المعادلة لهيئة (FCC) في الولايات المتحدة.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٦
