إذا كان الراديو لم يستطع الانتفاع من أي اختراع ـ لا للإعلام، ولا للترفيه ـ فإنه على الأقل قد بدل قواعد اللعبة في هذين المجالين. فحتى العام 1945، امتزجت مغامرته بهمجيات القرن. فقد اعتمدت ضده اتهامات الدعاية. انطلاقاً من هذا التاريخ عينت خصومته مع السلطة لكل وسائل الإعلام دروب الحرية – من الراديوات الطرفية المسموحة ببساطة، حتى الراديوات المحلية التي شرعت أخيراً، مروراً بالراديوات «الحرة» أو «القراصنة». لماذا اختلفت إلى هذا الحد القواعد بالنسبة إلى الراديو (أو التلفزيون) عن تلك التي سادت بالنسبة إلى الصحافة المطبوعة؟ لماذا ما هو صالح للأول ـ التنافس، الاستثمارات الخاصة ـ قد يضر بالثانية
أولا : الراديو كإشارة مميزة إن البيانو والصورة الفوتوغرافية هما إشارتان مميزتان للبرجوازية الناشئة. فالبيانو يمكن الموسيقى من أن تخرج من الحلقة الضيقة للأرستقراطية؛ أما الصورة الفوتوغرافية فقد حلت محل رسوم الأشخاص على حيطان الامتيازات الجديدة. ومعاً فتحا
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣١
الطريق لوسائل الاتصال «السمعيه ـ البصرية» التي سيطرت في القرن العشرين. فالراديو – أو البث الصوتي عبر الأثير ـ كان طليعتها، قبل السينما بكثير. في آذار / مـارس 1899، أرسـل غـوغـلـیـلـمـو مـاركـونـي (Guglielmo Marconi) رسائل صوتية عن طريق الموجات الهرتزية من دوفر Douvres، في إنكلترا، إلى فيمرو (Vimereux) في فرنسا، ولما كان قبل ثلاث سنوات قد نجح في إرسال مماثل على 3 كيلومترات، قدم براءة اختراع التلغراف بلا سلك، TSF. في العام 1898، حقق أوجين دوكروتيه (Eujene Ducretet الإنجاز نفسه في باريس، بين برج إيفل (Tour Eiffel) والـبـانـتـيـون (Panthéon). شكل التلغراف بلا سلك ملتقى اكتشافين سابقين: قوانین ماكسويل (Maxwell) حول الكهرومغناطيس 1864 وانتقال الموجات الراديو كهربائية (هيرتز Hertz، 1887) خلال الحرب العالمية الأولى دخل الراديو التاريخ كوسيلة اتصال: في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، أعلن الراديو من الطراد أورور (Aurore) أن سوفيات بتروغراد Petrograd يقود المقاومة ضد الحكومة الشرعية، وهذه الحكومة أمرت بتحطيم مطابع الصحف التي بقيت موالية لها، قبل بضع ساعات من ذلك.
منتصراً على الصحافة في حقلها الخاص، برز الراديو حيث لم يكن أحد ينتظره: ألم يكن معداً فقط للعسكريين المشاركين في الحرب، ليتبادلوا الرسائل بعيداً عن آذان الأعداء؟ إن تاريخه حول هذه النقطة يقارب تاريخ الهاتف الذي كان يعتقد بأنه قد يستخدم فقط للاستماع إلى الأوبرا أو إلى المسرح، في المنزل. خلال بضع سنوات أصـبـح الراديو أول وسيلة اتصـال صوتية بمتناول الجميع: فعلاقته بالرسائل الصوتية تشبه علاقة
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٢
الصحافة والسينما على التوالي بالكتابة وبالصورة. في العام 1920، كان بإمكان 50.000 ملتقط أميركي متابعة الحملة الانتخابية الرئاسية على الراديو للمرة الأولى.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1921 جرى بث أول نشرة إخبارية على الراديو من برج إيفل. وبعد أسبوع من ذلك ولدت ال بي بي سي وهي شركة بريطانية للدولة حيث بدأت احتكارية. وفي العام 1922، أكدت الدولة الفرنسية، بقانون مالي احتكارها للأثير، لكنها منحت في مجلس الوزراء أذونات مؤقتة قابلة للإبطال لراديوات خاصة.
وهكذا أقامت محطة راديولا (Radiola) في ضاحية لوفالوا بيريه.(Levallois – Perret) (BBC) فرض الراديو نفسه بين 1918 و1925. إن «الطريق العريض للأصوات» على حد تعبير دافيد سارنوف (David Sarnoff) مؤسس الـ«إن بي سي» » (NBC) هو وسيلة اتصال جديدة كلياً. فقد استعار الراديو من الهاتف الحضور الكامل: تلتقط الرسائل في اللحظة ذاتها التي تبث فيها دون أي فارق زمني. بالإضافة إلى ذلك، تصل هذه الرسائل في اللحظة نفسها إلى كل أعضاء المجموعة الـمـوزعـيـن سـواء كانوا في منازلهم أم لا، كانوا وحـيـديـن أم متجمعين.
وأخيراً، يقوم الراديو بوظيفة وسيطة بين البث والجهاز اللاقط أو الهاتف. من جهة، ينتج رسائل يقدمها لجمهور له حرية عدم استقبالها؛ ومن جهة أخرى، يعطي الجميع، في أية لحظة، إمكانية «الالتقاء على الموجة نفسها».
ثانياً : الراديو في خمسة تواريخ
1896 ـ غوغلـيـلـمـو مـاركـونـي وضـع أول براءة اخـتـراع للتلغراف بلاسلك (TSF)، في بريطانيا.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٣
1917 ـ أعلن عن الثورة الروسية للعالم عبر التلغراف بلا سلك
1922 ـ إنشاء أول محطة خاصة «رادیولا» لصاحبها إميل جیراردو (Émile Girardeau) 1935 – – اكـتـشـاف تـعـديـل الـتـردد FM من قبل ادوين أرمسترونغ (Edwin Armstrong)
1940 – نداء الجنرال شارل ديغول (Charles de Gaulle من بي بي سي في 18 حزيران/يونيو: «لا يجوز أن تنطفئ شعلة ال المقاومة ولن تنطفئ».
ثالثاً : الراديو والسلطة الراديو هو أول وسيلة اتصال، في التاريخ، يستطيع الوصول مباشرة إلى جمهور كبير ومشتت. أما الصحافة والسينما فليستا وسيلتي اتصال منتشرتين: مع الراديو، حل المباشر محل المؤجل، والفورية أزاحت الوساطة، ولامادية الموجات سجلت قوتها، مقارنة بمادية ورق الصحيفة أو مادية قاعة العرض للسينما. لقد تحدث ليون بلوفيه (Léon Plouvier) مدیر رادیو – البريد ـ الشمال في مذكراته قائلاً: «كان الناس يستعجلون للعودة إلى منازلهم لكي لا يضيع شيء من أمسياتهم. لم يعد هناك تسكع في الحانات، ولم يعد الناس يلعبون الورق حول كأس. إلى حد أن نقابة بائعي المشروبات تدخلت إلى جانب البلدية لإلغائنا». لم تغفل السلطة السياسية عن حسنات الراديو. فقادة الاتحاد السوفياتي، منذ نشوئه، عام 1917، جعلوا الراديو وسيلة
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٤
لنشر تعاليمهم: في العام 1929 كان راديو موسكو يبث برامج منتظمة بلغات عدة موجهة إلى الخارج. وبعد بضع سنوات، أمر غوبيلز Goebbels) مواطنيه بفتح نوافذهم لإسماع الـجـمـيـع، عبـر الـراديـو، الـفـكـر الـنـازي. بـإمـكـان سـبـرج تـشـاكـوتـيـن (Serge Tchakhotine) أن يذكـر فـي كـتـاب شـهـيـر عـام 1939، «اغتصاب الجماهير بالدعاية السياسية». إن تأثير هذه الوسيلة الإعلامية يشبه الاستشراط الحقيقي. وفق نظرية بافلوف (Pavlov) تميزت الولايات المتحدة وبريطانيا، في ما بين الحربين، باعتماد أشكال تنظيم وأشكال تمويل للراديو تختلف عن تلك المستخدمة في الصحافة والسينما. بينما اخترعت بريطانيا الرسم الذي مكن الـ «بي بي سي» المحتكرة من أن تعيش دون اللجوء إلى الدعاية، فإن الولايات المتحدة ساوت قدر الإمكان نظام الراديو بنظام الصحافة. بعد فترة من التردد، تقرر عام 1927، بأن تـمـنـح الـوكـالـة الـفـيـدرالية (Federal Radio Commission)، التي أصبحت عام 1934 اللجنة الفيدرالية للاتصالات، إذناً بالبث للمحطات، أو بعبارات أخرى، حق استخدام هذه الثروة النادرة، التي يشكلها هذا الملك «العام» للموجات الهرتزية. ت في أوروبا، اختارت معظم البلدان، بين الحربين، طريقاً ثالثاً بين التنافس الحر على النمط الأميركي والاحتكار العام على النمط الإنكليزي. ففي فرنسا، أنشئت محطات خاصة عديدة، مستفيدة من الثغرة التي فتحتها عام 1922 محطة راديولا. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت الحكومة، عام 1927، داخل وزارة البريد، إدارة للراديو. وفي عام 1933، فتحت المحطة الوطنية le Poste، التي سبقت راديو فرانس الحالي، وتقرر فرض رسم معين. كل الامتيازات الممنوحة للمحطات الخاصة ألغيت بمرسوم،
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٥
في آذار/مارس 1945، قبل بضعة أشهر فقط من إنشاء الراديو والـتـلـفـزيـون الـفـرنـسـي (RTF) بـمـرسـوم، الذي أصبح احـتـكـاراً. والاستثناء الوحيد كان محطة راديو اللوكسمبرغ التي أصبحت RTL عام 1956: كانت تمول من الدعاية، وسرعان ما أصبح لها جمهور عريض من المستمعين. في العام 1955، أعطت محطة أوروبا رقم واحد، التي كانت تبث من منطقة السار (Sarre) في ألمانيا، الأولوية لنشراتها الإخبارية التي كانت تقرأ بصوت محايد قصداً، ولم يلغ احتكار الراديو بصورة شرعية إلا في العام 1982. مع الازدهار المنفلت للراديوات القراصنة أو الحرة، توالت على موجة ال FM (أف أم) حوالي 1500 محطة سمح لها بالبث من قبل السلطة العليا للسمعي – البصري التي سبقت المجلس الأعلى للسمعي ـ البصري (CSA) الهيئة الفرنسية المعادلة لهيئة (FCC) في الولايات المتحدة.
رابعاً : مستمعون من نوع خاص الخمسينيات، سرق التلفزيون النجومية من الراديو، وسجل نصراً في كل مكان. إلا أن الراديو، منذ نشوئه، قد شق الطريق لـوسـائل الاتصال الكبرى في القرن الـعـشـريـن، الـتـلـفـزيـون والملتيميديا (وسائل الاتصال المتعددة). لقد أشار مارشال ماك لوهان (Marshall Mcluhan) عام 1964 في كتابه «لفهم وسائل الاتصال» إلى الحسنات الخاصة للراديو: «فهو يصل إلى الناس في حياتهم الخاصة. إنها علاقة بين شخص وشخص، تفتح عالما کاملا من الاتصال الضمني بين الفاعل ـ المذيع والمستمع. هذا هو الجانب المباشر للراديو (…) من الأعماق السامية للراديو يبرز الصدى الرنان للأبواق القبلية وللطبول القديمة».
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٦
إلى جانب السينما، يدل الراديو على الطريق إلى التلفزيون. لقد ولدت معه المؤسسات التي سوف تستقبل التلفزيون منذ سنواته الأولى: ال بي بي سي BBC، السي بي أس CBS أو أر أف تي RFT راديو فرانس – تلفزيون) كذلك، فالراديو هو الذي اخترع لوسائل الاتصال المستقبلية، برامج جديدة بإمكانها أن «تعجب وتغري» المستمعين المنتشرين والمتنوعين جداً. لقد جدد، بعد العام 1945، ببرامج فريدة، اتخذت أحسنها في فرنسا الأسماء التالية: إنهم يغنون في حينا، ملكة ليوم واحد، عائلة دوراتون في سنوات 1950 «جيء بالصحافيين إلى المذياع» على حد تعبير لويس مرلان (Louis Merlin)، المدير السابق لمحطة أوروبا رقم 1. (*)(Duraton) بعد العام 1960، أعطى الراديو لوسائل الاتصال الأخرى مفتاح النمو وهو: تنويع البرامج. بالرغم من ذلك، فإن وصول الترانزيستور، عام 1959 ـ 1960، مر ولم ينتبه له أحد في نظر الـمـراقـبـيـن الـمـحـتـرفـيـن. لكن، فإن تصغير أجهزة الالتقاط واستقلاليتها بفضل هذه التقنية، هو الذي دشن تجزئة المستمعين و«التقليل من كثافة» «وسائل الاتصال المتعددة». فبرامج مثل «مرحبا يا أصدقاء» (Salut les Copains) أو إذاعة أقوال الجنرال شارل ديغول من الراديو خلال حرب الجزائر، قد بشرت بهذا العصـر الـجـديـد: عـصـر الـجـمـاهـيـر المستهدفة والمنسجمة، أو الموضوعات المطوقة بصورة محكمة، الأقل توحيداً وإنما الأكثر جاذبية. بعد أقل من عشرين سنة لاحقاً، مع موجة الأف أم (FM)، برامج كانت لها شعبية واسعة في فرنسا.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٧
وصل الراديو حتى نهاية هذا المنطق. لقد تضاعفت البرامج، بينما أصـبـح الـمـسـتـمـعـون الـمـسـتـهـدفـون أقل عدداً: الشباب، عـشـاق الموسيقى، هواة الجاز… قدم الراديو لبعض المجموعات أو لبعض «القبائل» الاجتماعية إمكانية تأكيد ذاتها والإعلان عن نفسها، وحتى إمكانية أن تعي وجودها. واليوم، تسمح العددية للراديو بمتابعة تقدمه على طريق المستمعين الخاصين. في هذا الاتجاه، أصبحت هذه الوسيلة الاتصالية مبتذلة من جراء الاستعمال والتآكل.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٨
