الراديو كإشارة مميزة إن البيانو والصورة الفوتوغرافية هما إشارتان مميزتان للبرجوازية الناشئة. فالبيانو يمكن الموسيقى من أن تخرج من الحلقة الضيقة للأرستقراطية؛ أما الصورة الفوتوغرافية فقد حلت محل رسوم الأشخاص على حيطان الامتيازات الجديدة. ومعاً فتحا
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣١
الطريق لوسائل الاتصال «السمعيه ـ البصرية» التي سيطرت في القرن العشرين. فالراديو – أو البث الصوتي عبر الأثير ـ كان طليعتها، قبل السينما بكثير. في آذار / مـارس 1899، أرسـل غـوغـلـیـلـمـو مـاركـونـي (Guglielmo Marconi) رسائل صوتية عن طريق الموجات الهرتزية من دوفر Douvres، في إنكلترا، إلى فيمرو (Vimereux) في فرنسا، ولما كان قبل ثلاث سنوات قد نجح في إرسال مماثل على 3 كيلومترات، قدم براءة اختراع التلغراف بلا سلك، TSF. في العام 1898، حقق أوجين دوكروتيه (Eujene Ducretet الإنجاز نفسه في باريس، بين برج إيفل (Tour Eiffel) والـبـانـتـيـون (Panthéon). شكل التلغراف بلا سلك ملتقى اكتشافين سابقين: قوانین ماكسويل (Maxwell) حول الكهرومغناطيس 1864 وانتقال الموجات الراديو كهربائية (هيرتز Hertz، 1887) خلال الحرب العالمية الأولى دخل الراديو التاريخ كوسيلة اتصال: في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، أعلن الراديو من الطراد أورور (Aurore) أن سوفيات بتروغراد Petrograd يقود المقاومة ضد الحكومة الشرعية، وهذه الحكومة أمرت بتحطيم مطابع الصحف التي بقيت موالية لها، قبل بضع ساعات من ذلك.
منتصراً على الصحافة في حقلها الخاص، برز الراديو حيث لم يكن أحد ينتظره: ألم يكن معداً فقط للعسكريين المشاركين في الحرب، ليتبادلوا الرسائل بعيداً عن آذان الأعداء؟ إن تاريخه حول هذه النقطة يقارب تاريخ الهاتف الذي كان يعتقد بأنه قد يستخدم فقط للاستماع إلى الأوبرا أو إلى المسرح، في المنزل. خلال بضع سنوات أصـبـح الراديو أول وسيلة اتصـال صوتية بمتناول الجميع: فعلاقته بالرسائل الصوتية تشبه علاقة
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٢
الصحافة والسينما على التوالي بالكتابة وبالصورة. في العام 1920، كان بإمكان 50.000 ملتقط أميركي متابعة الحملة الانتخابية الرئاسية على الراديو للمرة الأولى.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1921 جرى بث أول نشرة إخبارية على الراديو من برج إيفل. وبعد أسبوع من ذلك ولدت ال بي بي سي وهي شركة بريطانية للدولة حيث بدأت احتكارية. وفي العام 1922، أكدت الدولة الفرنسية، بقانون مالي احتكارها للأثير، لكنها منحت في مجلس الوزراء أذونات مؤقتة قابلة للإبطال لراديوات خاصة.
وهكذا أقامت محطة راديولا (Radiola) في ضاحية لوفالوا بيريه.(Levallois – Perret) (BBC) فرض الراديو نفسه بين 1918 و1925. إن «الطريق العريض للأصوات» على حد تعبير دافيد سارنوف (David Sarnoff) مؤسس الـ«إن بي سي» » (NBC) هو وسيلة اتصال جديدة كلياً. فقد استعار الراديو من الهاتف الحضور الكامل: تلتقط الرسائل في اللحظة ذاتها التي تبث فيها دون أي فارق زمني. بالإضافة إلى ذلك، تصل هذه الرسائل في اللحظة نفسها إلى كل أعضاء المجموعة الـمـوزعـيـن سـواء كانوا في منازلهم أم لا، كانوا وحـيـديـن أم متجمعين.
وأخيراً، يقوم الراديو بوظيفة وسيطة بين البث والجهاز اللاقط أو الهاتف. من جهة، ينتج رسائل يقدمها لجمهور له حرية عدم استقبالها؛ ومن جهة أخرى، يعطي الجميع، في أية لحظة، إمكانية «الالتقاء على الموجة نفسها».
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٣٣
