إن الصحافة هي أقدم وسائل الاتصال. وليس صدفة أبدأ أن تكون الكلمة نفسها (presse بالفرنسية تعني الأداة، تلك الآلة الطابعة التي اخترعها غوتنبرغ، والاستخدام الذي ألصق بها من قبل البشر، والمنفعة التي وجدت لها عبر العصور. بين العام 1830 والـعـام 1870، اخـتـرعـت الـصـحـافـة الـنـبـأ الـراهـن، كـمـا حـددت للصحافيين، في الوقت نفسه، مهمتهم: القول «ما جرى وما سيجري. منذ ذلك التاريخ، أصبحت الصحافة فاعلة في الثورة المزدوجة الصناعية والليبرالية، وشاهدة عليها. ما قد يجري»،
الصحافة أولاً: ولادات الصحيفة اليومية فـي الـعـام 1631، أنشـأتـيـوفـراسـت رینودو (Théophrase Renaudot)، الطبيب والأديب، «جريدة فرنسا Gazette de France بفضل دعم الكاردينال ريشيليو (de Richelieu)، هذه الأسبوعية التي تطبع 1200 نسخة بثماني صـفـحـات، وتقدم لقرائها العديد من الملحقات الشهرية. هذه الجريدة، في نظر الصحافة الحديثة تشكل رائداً ونموذجاً: فللمرة الأولى كانت الأخبار تُنشر وفق دورية منتظمة موجهة إلى العديد من القراء.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١١
بالتأكيد كان أسلاف رينودو أقل حظوة. ففي البندقية منذ القرن الثالث عشر كان هناك «مينانتي menanti» التي تنشر أخباراً سريعة وتتهرب بصعوبة من رقابة العديد من المراقبين. حتى نهاية القرن الثامن عشر، لم يحالف الحظ وارثيها، القصاصين، سواء في فرنسا أم في ألمانيا، وصحافيو عصر النهضة كانوا يكتفون في دفاترهم بسرد الوقائع المتنوعة والتي لا معنى لها، من الأعياد الشعبية حتى مآتم الأمراء. ولدت الصحافة اليومية في ألمانيا، مع لايبزيغر زايتونغ ( Leipziger Zeitung)، عام 1660؛ والصحيفة اليومية الفرنسية الأولى، «لو جورنال دو باري Le Journal de Paris» تأسست عام 1777. لكـن الـنـمـاذج الحقيقية للـصـحـافـة الـيـومـيـة الـحـديـثة أبصرت النور في القرن التاسع عشر. ففي فرنسا يتعلق الأمر بصحيفة لابريس La Presse التي أنشأها إميل دو جيراردان (Emile de Girardin)، ومنافستها «لوسييكل Le Siècle» (أطلقها دوتاك (Dutacq) عام 1836). :1863 الصحافة في أميركا تأسست «النيويورك صـان New York Sun والـ«نيويورك هيرالد New york Herald» على التوالي عام 1833 وعام 1835: وكان كل عدد يباع بسنت واحد فقط. في إنكلترا، ولدت بسعر پني Penny بعد ذلك بقليل، أي عام 1855، الدايلي تليغراف Daily Telegraph» و«الليفربول دايلي بوست Liverpool Daily Post» و«لندن ايفينينع نیوز London Evening News.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٢
Evening News» عام 1881 و«ذي ستار The Star» عام 1888. وفي الولايات المتحدة قبل 1900 بقليل شهدنا المعركة الأولى بين عملاقين: مؤسس نيويورك جورنال وليام هيرست .William R) (Hearst، الذي هـاجـم سـيـطـرة الـ«نيويورك وورلد New York World» لصاحبها جوزيف بوليتزير (Joseph Pulitzer). PM
ثانياً : الصحافة في خمسة تواريخ 1438: صنع غوتنبرغ في مايانس (Mayence) مكبس الطباعة. 1605: نـشـوء الـدوريـة الأولى في الـعـالـم: «لـي نـوفـيـل دانفرس Les Nouvelles d’Anvers». 1660: ولادة اليومية الأولى في العالم: لايبزيغ زايتونغ في ألمانيا. 1847: لابريس، اليومية التي أسسها في باريس عام 1836 إميل جيراردان، اسـتـخـدمـت أول مطبعة دورانية كما صنعهـا مـاريـنـونـي Marinoni). 1993 الـيـومـيـة الكاليفورنية «سان جوزيه مركوري نيوز San Jose Mercury News» أطلقت الطبعة الإلكترونية الأولى على شبكة الأنترنيت.
ثالثاً : السعي نحو حرية أصلية ولدت الصحافة المدنية في القرن التاسع عشر، وأصبحت صناعة عام 1846 بفضل اختراع المطبعة الدورانية للأميركي روبير هو (Robert Hoe)، ومع «لو بوتي جورنال Le Petit Journal»، أصبحت الصحافة في متناول الجميع من حيث سعرها المتواضع وتنوع عناوينها وبساطة اللغة ونوعيتها. وبتلبيتها لمطالب زبائنها المتعددة أصبحت سوقاً بكل ما في الكلمة من معنى. فالمولود الجديد لوسائل الاتصال الجماهيرية هو الصحيفة اليومية: إنها النموذج الأساسي «للاتصال الجماهيري».
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٣
ولم تصبح الصحافة شعبية إلا مع «لو بوتي جورنال مع Le Petit Journal»، التي أطلقها مويز ميللو (Moise Millaud) عام بيع العدد بخمس سنتيمات. واليوميات بنصف پني ولدت بعد بضع سنوات لاحقاً، في بريطانيا مع «ايفينينغ نيوز حتى عتبة القرن العشرين، يمتزج تاريخ الصحافة بتاريخ الحرية الأصلية «الأساسية»: حرية الصحافة هي الأولى، منطقياً وزمنياً في الوقت نفسه، فهي لم تكتسب فقط قبل الحريات الأخرى، وإنـمـا بـرزت، الـيـوم أكثر من الأمس، كشرط لـوجـود الحريات الأخرى، المدنية أو السياسية، الشخصية أو العامة. فبحسب الصيغة السعيدة لمنظمة «صحافيون بلا حدود»: «لا حرية بدون حرية الصحافة». الصحافة الصحافة الأولى التي ناضلت لتحررها هي الإنكليزية منذ العام 1695، حص من التاج على حق الطباعة دون إذن مسبق؛ وفي العام 1762، اتهمت المسؤولية السياسية لرئيس الوزراء؛ وحصلت أخيراً، عام 1855، على إلغاء كل الرسوم التي كانت تفرض عليها قبل ذلك. كذلك كان الشاعر الإنكليزي جون میلتون (John Milton) يدافع، في العام 1644، عن حرية الطباعة «دون إذن ولا رقابة». أما عناصر حرية الصحافة فقد جری تعدادها للمرة الأولى في قانون سويدي عام 1766: منع أية رقابة مسبقة؛ تعيين مسؤول عن النشر؛ حق عدم الكشف عن مصادر المعلومات؛ تحديد حالات التشهير لحماية الحياة الخاصة للناس. في العام 1776، جعلت ولاية فرجينيا من حرية الصحافة إحدى دعائم الحقوق في مجموعة Bill of Rights – أو أحد أبواب الحرية. هذا المبدأ ورد في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة عام 1791: «لن يصدر الكونغرس أي قانون يضيق حرية الكلام أو الصحافة». وفي فرنسا الثورة 1789، الأمينة على المثل نفسها، لم ترفع اليد عن المشترع؛ فالمادة 11 من إعلان حقوق الإنسان
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٤
والمواطن نصت على ما يلي: «بإمكان كل مواطن أن يقول ويكتب ويطبع بحرية، وهو مسؤول عن تجاوزات هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون». أما قانون 29 تموز/يوليو 1881 حول الصحافة، فيحدد النظام الإداري والجزائي لهذا القانون – يمكن نشر الصحف دون إذن مسبق ودون دفع كفالة (المادة 5) ـ مع وضع حدود لحرية النشر: تحدد جنح الصحافة من قبل المشترع. PM’ رابعاً : الصحافة، الفاعل والشاهد عندما أكد هيغل (Hegel)، منذ العام 1820، أن «الصحيفة هي الصلاة العلمانية الصباحية للإنسان الحديث»، فهم إلى أي حد ستكون الصحافة شاهدة وفاعلة معاً في الحوادث والاضطرابات. كذلك أعلن فكتور هوغو Victor Hugo)، في خطاب شهير ألقاه في تموز/يوليو 1850: «بما إنني أريد السيادة الوطنية في كل حقيقتها، فإنني أريد الصحافة في كل حريتها». وفي العام 1835، ذهب توكفيل (Tocqueville) إلى أبعد من ذلك: «إن الاعتقاد بأن الـصـحـف لا تـخـدم إلا تـأمـيـن الـحـريـة ينتقص من أهـمـيـتـهـا: فهي تحافظ على الحضارة». وفي الاتجاه نفسه، حيا إميل زولا (Émile Zola)، بعد سنين من مقاله الشهير بعنوان «إنني أتهم»، الذي نشر في «الأورور L’Aurore»، حيث دعا إلى مراجعة دعوى درایفوس (Dreyfus)، ما سماه «عصر الإعلام». طيلة القرن التاسع عشر أبرزت الصحف اليومية صعود الصحافة والإعلام الحديثين. فقد حملتهما رسالة معينة: هي الإعلان والإخبار «لما يجري»، أو الأحرى لما قد جرى ولما سيجري عما قريب. للمرة الأولى، أصبحت الأنباء تعرض في السوق، سواء كانت زهيدة أو كثيرة، عادية أو مذهلة
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٥
