السعي نحو حرية أصلية ولدت الصحافة المدنية في القرن التاسع عشر، وأصبحت صناعة عام 1846 بفضل اختراع المطبعة الدورانية للأميركي روبير هو (Robert Hoe)، ومع «لو بوتي جورنال Le Petit Journal»، أصبحت الصحافة في متناول الجميع من حيث سعرها المتواضع وتنوع عناوينها وبساطة اللغة ونوعيتها. وبتلبيتها لمطالب زبائنها المتعددة أصبحت سوقاً بكل ما في الكلمة من معنى. فالمولود الجديد لوسائل الاتصال الجماهيرية هو الصحيفة اليومية: إنها النموذج الأساسي «للاتصال الجماهيري».
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٣
يمتزج تاريخ الصحافة بتاريخ الحرية الأصلية «الأساسية»: حرية الصحافة هي الأولى، منطقياً وزمنياً في الوقت نفسه، فهي لم تكتسب فقط قبل الحريات الأخرى، وإنـمـا بـرزت، الـيـوم أكثر من الأمس، كشرط لـوجـود الحريات الأخرى، المدنية أو السياسية، الشخصية أو العامة. فبحسب الصيغة السعيدة لمنظمة «صحافيون بلا حدود»: «لا حرية بدون حرية الصحافة». الصحافة الصحافة الأولى التي ناضلت لتحررها هي الإنكليزية منذ العام 1695، حص من التاج على حق الطباعة دون إذن مسبق؛ وفي العام 1762، اتهمت المسؤولية السياسية لرئيس الوزراء؛ وحصلت أخيراً، عام 1855، على إلغاء كل الرسوم التي كانت تفرض عليها قبل ذلك. كذلك كان الشاعر الإنكليزي جون میلتون (John Milton) يدافع، في العام 1644، عن حرية الطباعة «دون إذن ولا رقابة». أما عناصر حرية الصحافة فقد جری تعدادها للمرة الأولى في قانون سويدي عام 1766: منع أية رقابة مسبقة؛ تعيين مسؤول عن النشر؛ حق عدم الكشف عن مصادر المعلومات؛ تحديد حالات التشهير لحماية الحياة الخاصة للناس. في العام 1776، جعلت ولاية فرجينيا من حرية الصحافة إحدى دعائم الحقوق في مجموعة Bill of Rights – أو أحد أبواب الحرية. هذا المبدأ ورد في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة عام 1791: «لن يصدر الكونغرس أي قانون يضيق حرية الكلام أو الصحافة». وفي فرنسا الثورة 1789، الأمينة على المثل نفسها، لم ترفع اليد عن المشترع؛ فالمادة 11 من إعلان حقوق الإنسان
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٤
والمواطن نصت على ما يلي: «بإمكان كل مواطن أن يقول ويكتب ويطبع بحرية، وهو مسؤول عن تجاوزات هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون». أما قانون 29 تموز/يوليو 1881 حول الصحافة، فيحدد النظام الإداري والجزائي لهذا القانون – يمكن نشر الصحف دون إذن مسبق ودون دفع كفالة (المادة 5) ـ مع وضع حدود لحرية النشر: تحدد جنح الصحافة من قبل المشترع. PM’ رابعاً : الصحافة، الفاعل والشاهد عندما أكد هيغل (Hegel)، منذ العام 1820، أن «الصحيفة هي الصلاة العلمانية الصباحية للإنسان الحديث»، فهم إلى أي حد ستكون الصحافة شاهدة وفاعلة معاً في الحوادث والاضطرابات. كذلك أعلن فكتور هوغو Victor Hugo)، في خطاب شهير ألقاه في تموز/يوليو 1850: «بما إنني أريد السيادة الوطنية في كل حقيقتها، فإنني أريد الصحافة في كل حريتها». وفي العام 1835، ذهب توكفيل (Tocqueville) إلى أبعد من ذلك: «إن الاعتقاد بأن الـصـحـف لا تـخـدم إلا تـأمـيـن الـحـريـة ينتقص من أهـمـيـتـهـا: فهي تحافظ على الحضارة». وفي الاتجاه نفسه، حيا إميل زولا (Émile Zola)، بعد سنين من مقاله الشهير بعنوان «إنني أتهم»، الذي نشر في «الأورور L’Aurore»، حيث دعا إلى مراجعة دعوى درایفوس (Dreyfus)، ما سماه «عصر الإعلام». طيلة القرن التاسع عشر أبرزت الصحف اليومية صعود الصحافة والإعلام الحديثين. فقد حملتهما رسالة معينة: هي الإعلان والإخبار «لما يجري»، أو الأحرى لما قد جرى ولما سيجري عما قريب. للمرة الأولى، أصبحت الأنباء تعرض في السوق، سواء كانت زهيدة أو كثيرة، عادية أو مذهلة
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ١٥
