السينما
كانت السينما في بداياتها، في عصر الإخوة لوميير (Lumière)، تقنية. ولكن بسرعة جعلت أوروبا من وسيلة الاتصال بالصورة صناعة، قبل أن تبني الولايات المتحدة في هوليوود مصانع أكبر ترفيه جماهيري في القرن العشرين.
وفي مطلع القرن الواحد والعشرين فتح التلفزيون والـ دي في دي DVD والإنترنت آفاقاً جديدة للفن السابع.
أولا : من الصامت إلى «الناطق والمغنى» في الذكرى المئة لولادة السينما، عام 1995 أكد المنتج الفرنسي دانييل توسکان دو بلانتييه (Daniel Toscan du Plantier) أن السينما «ولدت يوم قبض الإخوة لوميير من الناس على الرصيف رسماً لرؤيتهم فيلماً في قاعة مظلمة». شكل هذا الحدث، اصطلاحاً، ولادة الوسيلة الثابتة للاتصـال الـجـمـاهـيـري، بعد الـصـحـافـة: في 28 كانون الأول/ديسمبر 1895، وفـي الـصـالـون الهندي للمقهى الكبير (Grand Café) ـ الذي أصبح اسمه مقهى السلام (Café de la Paix) ـ في باريس، قدم الإخوة لوميير العرض
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢١
الميديا السينمائي الأول العمومي المدفوع الذي يشمل برنامجاً إخبارياً (عن الخروج من مصانع لوميير) وشجاراً عائليا وتمثيلية هزلية إسبانية (saynètes). سبق هذا الحدث اختراعات عديدة: أسطوانة جوزف بلاتو (Plateau)، المسماة Phénakistiscope (منظرة الأزوال) التي تعطي خدعة الحركة، والصورة الفوتوغرافية لنيابس وداغير Niepce et Daguerre) عام 1839، التي حلت محل الرسوم، والبندقية الفوتوغرافية لماراي (Marey) عام 1882، التي سبقت آلة التصوير. السينما هي، قبل أي شيء آخر، مشهد في المعرض، مشابهة للسيرك. وهي في أفضل الأحوال استمرار للمسرح الشعبي، بوسائل أخرى. ولكنها أصبحت بسرعة صناعة ووسيلة إعلامية، اقتصرت في البداية على عرض «الأخبار» قبل أن «تخبر الـقـصـص»، مـع الـفـرنـسـي جورج ميليس (Georges Mélies) والأميركيين ادوين بورتر (Edwin Porter) ودافيد غريفيت (David W. Griffith). عندما كانت صامتة، كانت السينما تجهل حواجز اللغة، وبحسب المنتج الأميركي رانغلر Wrangler)، كانت تهم «الأطفال في سن الثامنة وكذلك الشيوخ في سن الثمانين». PM عشرون سنة بعد العام 1900، أصبحت وسيلة الاتصال الجديدة صناعة حقيقية: لها قاعاتها الخاصة للعرض ـ مثل النيكلوديون Nickelodeon الأميركية الشهيرة، حيث يكلف الدخول إليها 5 سنت نيكل ـ ومنتجوها وتقنيوها ونجومها.
وعلى الأخص يتزايد مشاهدوها باستمرار وفي جميع الطبقات الاجتماعية.
وفي العام 1910، كان في الولايات المتحدة ما مجموعه 10.000 قاعة، بينما لم يكن هناك في فرنسا، البلد الذي يشهد ولادة السينما، 3000 قاعة. في العام 1914، كان الأميركيون ينتجون أفلاماً تفوق 20 مرة إنتاج الفرنسيين: مما اضطر جورج ميليس
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٢
(Georges Mélies) وشارل باتيه (Charles Pathé) إلى الانضمام إلى التروست الأميركي أديسون Trust Edison)، منذ العام 1908. ثانياً : السينما في خمسة تواريخ 1895 ـ قدم أوغيست ولويس لوميير (Auguste et Louis Lumiere براءة اختراع آلة السينما وصورا أول أفلامهما، الخروج من مصانع لوميير ووصـول القطار إلى محطة لاسيوتا La) Ciotat.
في 28 كانون الأول/ديسمبر، جرى أول عرض عام في المقهى الكبير، مع أول هزلية سينمائية (الساقي المسقي). 1927 – أول فيلم ناطق ومغنى، مغني الجاز، أنتجه الإخوة وارنر Warner) 1938 – اختراع التلوين تكنيكولور Technicolor 1953 – إخراج الرداء The Robe، أول فيلم سينما سكوب، وهي طريقة اخترعها هنري كريتيان (Henri Chrétien) عام 1928 وقد اشترت براءة الاختراع مؤسسة فوكس 20th Century Fox. 1955 – أول فيلم أخرج كلياً بالصور المركبة، توي ستوري Toy Story، للأميركي جون لاستير (John Lasseter) وأنـتـجـتـه مؤسسة ديزني (Disney).
ثالثاً : مصنع الأحلام قبل ظهور أول فيلم «ناطق ومغنى» عام 1927 ـ مغني الجاز – ببضع سنوات، كانت الولايات المتحدة قد جعلت من تقنية التصوير السينمائي صناعة منظمة، انطلقت لغزو السوق العالمي.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٣
وفي العام 1915، عندما حكم على التروست إديسون بأنه غير شرعي من قبل محكمة إحدى الولايات، كان السبعة الأوائل في هوليوود ـ الأربعة الكبار: فوكس Fox، بارامونت Paramount وارنر Warner، ومـتـرو غـولـدن مـاير Metro Goldwin Mayer والثلاثة الصغار: كولومبيا Columbia، يونيفرسال Universal ويونايتد أرتيست United Artists ـ على وشك تطبيق قواعد العالم الصناعي المقدسة على إنتاج وإخراج الأفلام. عندما أصبحت السينما ناطقة، فقدت، بحسب أندره أكون (André Akoun)، «طابعها كعرس شعبي كبير، كما كانت عليه بين 1900 و1929».
فكل بلد من البلدان التي كانت من أوائل المنطلقين في المغامرة، أصبحت تقيس أهمية وسيلة الاتصال الجديدة لتحمي وتبرز ثقافتها أو سياستها. منذ العام 1920، بدأ الأميركيون يبعدون الأفلام الأجنبية من قاعاتهم السينمائية الـ 25000. بعد ذلك زادوا بصورة ملموسة موازنات كل فيلم: من معدل يتراوح بين 40.000 و60.000 دولار عام 1920، إلى 200.000 عام 1930، وأحياناً أكثر من ذلك. يشار إلى أن قسماً كبيراً كان يذهب إلى الدعاية. وأخيراً، أصبحت هوليوود تتغذى من السينما الأجنبية التي هي في موقع الضعف: التعبيرية الألمانية، الطليعية السوفياتية أو السوريالية الفرنسية.
بين العامين 1935 و1950، ارتكـز مـصـنع الأحلام على ركيزتين أقيمتا في كل الأمكنة استناداً إلى النموذج الهوليودي: نظام النجم ونظام الاستوديو. فالنجم الذي يؤمن، بالتأكيد تقريبا، نجاح الفيلم، يسمح بكل ألعاب التماهي. هذا ما أشار إليه أندره أكـون André Akoun) ليعبر عن المزج بين الـوهـم والـواقـع «فالمراهق الذي يستند بلامبالاة إلى دراجته النارية، والرجل الذي
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٤
يتسلى بإرقاص قطعة الجليد في كأس الويسكي والصبية التي تصد التحرشات، أليست ظلالاً لما تقوم به ماري بيكفورد (Mary Pickford)، وليليان جيش (Lilian Gish)، وغـريـتـا غـاربـو (Greta Garbo) وهامفري بوغارت (Humphrey Bogart) أو مارلون براندو (Marlon Brando)؟». فالسينما، كما نرى، تعطي الشكل لرغبات كل واحد. السينمـا إن اللعب على تقمص المشاهدين لا يمنع السينما أبدأ من التمركز والتراتب أكثر فأكثر.
في العام 1940، حققت الشركات الكبرى حوالي 90% من رقم أعمال هوليوود وهي كانت تمتلك أكثر من 4000 قاعة.
كذلك خضع الأوروبيون لـقـوانـيـن نـظـام الأستوديو: ففي فرنسا، كانت باتيه (Pathé) وغومون Gaumont تحتكران تقريبا الإنتاج؛ وفي ألمانيا، سهرت الدولة على مراقبة الصناعة السينمائية من خلال مجموعة ضيقة من المنتجين؛ وفي إيطاليا، دشن موسوليني Mussolini) استوديوهات سينيسيتا (Cinecitta) 1937 مسيطراً على الإنتاج بمجمله.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٦
رابعاً : الفيلم سلعة، وسيلة دعاية أم عمل إبداعي؟ «الصبية والمسدس»: هذا فيلم يعتبره الأميركيون مفتاح النجاح إلى جانب الإنتاجات الكبرى، منذ الوصايا العشر عام 1956 حتى هاري بوتر (Harry Potter)، نجد أفلاماً أقل كلفة، منذ تلك التي كانت مبرمجة، قبل وجود التلفزيون، وقبل الفيلم الكبير «کمشهد ثان» ـ الأفلام أو المسلسلات حتى الأفلام التلفزيونية أو المسلسلات على الشاشة الصغيرة.
يقدم مصنع الأحلام في هوليوود من قبل البعض على أنه حصان طروادة للثقافة الأميركية وللمشروعات من وراء الأطلسي. وهؤلاء يتناسون غالباً التحذير الذي أطلقه لينين (Lénine) عام 1922 بأن: «السينما، بين كل الفنون، هي الأهم بالنسبة إلى روسيا».
أو تحذير ستالين (Staline) أيضا، الأكثر صراحة، عام 1924: «إن السينما هي أكبر وسيلة للتحريك الجماهيري». بمناسبة المفاوضات حول خطة مارشال (Marshall)، حصل المفاوضون الأميركيون من الفرنسيين على تخفيف المضايقات أمـام اسـتـيـراد الأفـلام مـن هوليوود. فـاتـفـاق بـلـوم بيرن (Blum – Byrnes) عام 1946 ألغى مـرسـوم هـريـو (Herriot): محل کوتا Quota الاستيراد أقام كوتا «شـاشـة»، التي تترك أربعة أسابيع في الفصل للأفلام الفرنسية. في السنة الثالثة هبط إشغال الشاشات بالأفلام الفرنسية من 50 إلى 30%.
في العام 1948 أصبحت كوتا «الشاشة» خمسة أسابيع بدلاً من أربعة، واستقرت كوتا الاستيراد: بين 186 فيلما سمح لها بالدخول إلى فرنسا، 121 كانت تأتي من الولايات المتحدة.
في العام 1946 أنشيء المركز للسينما (CNC) فقدم دعمه للأفلام الفرنسية، وعلى الوطني
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٧
الأخص أمن توظيف قسم من المداخيل المحققة في فرنسا من الأفلام الأجنبية، في الإنتاج الوطني.
بعد العام 1950، عند مجيء التلفزيون، اضطرب اقتصاد السينما، في جميع أنحاء العالم. فقد أصبح الفن السابع، كما أسماه رينيه كلير (René Clair) المركب الأميرالي لبحرية تشمل في عداد مراكبها كاسيت الفيديو، الأفلام التلفزيونية وعناصر الملتيميديا على أقراص أو المتوافرة على الأنترنيت. لقد أنقذ التلفزيون السينما ولم يسهم في زوالها. فأعطاها نفساً جديداً، داعياً إياها إلى التجدد، في الخمسينيات من القرن الماضي، تحت ضغط مخرجين جدد في إيطاليا وفرنسا وكذلك في الولايات الـمـتـحـدة، فـتـح لـهـا أسـواقـاً غير متوقعة تتزايد باستمرار: فالأفلام تستقطب الكثير من المشاهدين على المحطات العمومية، كما على المحطات المدفوعة (Canal ou TPS) كذلك أسهم التلفزيون على الدوام في تمويل السينما مؤمناً قسماً من موارده وأعماله المشتقة.
لقد بقيت السينما حجر الزاوية في ما اخترعته: أي الترفيه الجماهيري. بالنتيجة، لا يوجد دولة تمتنع عن التدخل لمساعدة أو لتشجيع السينما، وحتى لتراقب محتوياتها.
بالتأكيد فإن أشكال هذا التدخل تتغير كثيراً: من كوتا البث في المحطات التلفزيونية الفرنسية، إلى فرائض الإنتاج المفروضة عليها، حتى مقدمات الدفع بانتظار المداخيل، مروراً باحترام تواريخ العرض (في قاعة السينما أولا، ثم في نوادي الفيديو، وأخيراً من قبل المحطات التلفزيونية). بالإضافة إلى ذلك، فإن الفارق بين الأفعال والأقوال هو أكبر بكثير، عندما يتعلق الأمر بتبرير أو بتغطية المعونات أو الرقابات المتنوعة. إن التذرع «بالاستثناء الثقافي» يهدف إلى عزل
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٨
القطاع «السمعي ـ البصري»، وخاصة السينما، عن التطبيق العام وغير المشروط لقواعد السوق والتجارة الدولية. هل يمكن، أو هل يجوز إقصاء السينما عن تطبيق مبدأ التبادل الحر المنصوص عنه في المنظمة العالمية للتجارة (OMC)، وريثة منظمة الغات GATT منذ العام 1994 (التوافق العام حول التعرفات الجمركية والتجارة).
و لتبرير تدخلات الدولة في السينما بـادر أندره مالرو (André Malraux)، وزير الثقافة الفرنسي بين عامي إلى إطلاق التحذير الثاني على شكل إثبات: «إنها فن، ولكنها صناعة أيضاً». كانت السينما في البداية تقنية، وقد أصبحت أعمالها تُعرض حالياً على سوق واحد، وعلى مستوى العالم.
إن اعتبار السينما مجرد سلعة «مختلفة عن السلع الأخرى» هو مخاطرة كبرى. فهي قبل كل شيء «أثر فكري»، على حد قول الحقوقيين، وأثر ترفيهي وثقافي.
كتاب الميديا تأليف فرنسيس بال صفحة ٢٩
