الإعلام الإسرائيلي .. محاولة للفهم
لا تعـد الدعايـة الإسرائيلية وليـدة اللحظة الراهنة، بل تعود نشأتهـا إلى بداية التفكير الاستيطاني في فلسطين، خلال مؤتمر بـال بسويسرا عـام ١٨٩٧م وكان من قرارات مؤتمـر بال بسويسرا مكتب التوجيه المركزي للربط بين رئيس المنظمة الصهيونية العالمية والوحدات المحلية، ثم تطور الأمر بعد الحرب العالمية الأولى وأسس قسم دائرة الدعاية الذي ألحق برئيس المنظمة والمكتب المركزي.
استخدم الإعلام الإسرائيلي أساليب مختلفة لخدمة أطماعه وأهدافـه في فلسطين، فقد عـرف عـن الدعايـة الإسرائيلية أنها تخاطب الناس حسب مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وحسب توجهاتهـم الفكرية والعقائدية، وانتهجـت في ذلك أساليب متنوعة من أجل تحقيق أهدافها؛ لهذا فقد ركز الإعلام الإسرائيلي منذ نشأتـه علـى مراكز الثقـل السياسية العالمية في أوروبا، ثم توجه بعـد ذلـك نـحـو أمريكا الشماليـة، وبمـا أن الحركة الصهيونية ربطت نفسها منذ البداية بالدول الكبرى وبطموحاتها وأطماعها السياسية والاقتصادية؛ فقد حرصت على أن تحافظ على علاقة
كتاب أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تأليف باسل يوسف النيراب صفحة ١١
أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي خاصـة بالدول صاحبة القرار السياسي المؤثر، وليس على المستوى السياسي فحسب؛ ولكن على المستوى الإعلامي من خلال تأثيرها على الرأي العام في تلك البلدان. ويرى بعض الباحثين أن الدعاية الإسرائيلية سعت منذ بداية تأسيس المشروع الاستيطاني في فلسطين السيطرة على بعض النواحي المهمة في مجالات الفنون التشكيلية، فسيطر اليهود عالميا على أهم دور النشر والمطبوعات الفنية في أوروبا والولايات المتحدة، وفي سبيـل ذلـك استخدمت الدعاية الإسرائيلية للوصـول إلى أهدافهـا في الخارج شبكات الدبلوماسيين الإسرائيليين وتجمعات اليهـود المؤيدين لسياسيـة إسرائيل، وتجمعات الطلبة ومنظمات تصحيح الصورة الذهنية التي تجتهد في متابعة كل ما يكتب ويبث وما يقال عن السياسة الإسرائيلية أو الممارسات تجاه دولة إسرائيل والـرد عليها، ومحاربة تلك الوسائل تحـت حجة معاداة السامية أو مساندة الإرهاب، حيث تضخ الإدارة الإسرائيلية ملايين الدولارات في الدعاية الموجهة للإعلام الخارجي، والذي يطلق عليه بالعبرية “هاسبار” ومن أهم ما يميز هذه العملية مراقبة التقارير الأجنبية عـن إسرائيل، حيث تقـوم وزارة الخارجية الإسرائيليـة بدراسة أسبوعية للتقارير الأجنبية لمعرفة صـورة إسرائيل في الخارج لتتم تعديل أي خطأ أو تشويش – من وجهة نظرها -يتم اكتشافه
كتاب أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تأليف باسل يوسف النيراب صفحة ١٢
أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يعرف عن الدعاية الإسرائيلية أنهـا من أشد أنـواع الإعلام دهـاء ومكراً وذكاء، ولـولا التخطيط المحكم للعملية الدعائية من قبـل إسرائيل، واستثمار هذا التخطيط بشكل متقن لما استطاعت دولة إسرائيل أن تحقـق أكبر عمليـة غسل للأدمغـة، وتعمل على تهويد فلسطين وتغيير معالمهـا، فهي تتوجه إلى مجتمعات مختلفة، وتتحدث إلى كل مذهب سياسي بلغته، وتعبر عن النظم الاجتماعية المختلفة. وفي التخطيـط الدعائـي نـجـد أن الدعاية الإسرائيلية عملت علـى مستوى الرأي العام العالمي بعد قيـام إسرائيل لخدمة هدف مركـزي واحد، وهـو أن تكون الدولة اليهودية موجودة في فلسطين كضـرورة إنسانية وتاريخية للعـالم، وفي الوقت نفسه دولة متحكمة إقليمياً بالمنطقة من خلال بناء قوتهـا الذاتية اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجيـاً بحيـث تـخلـق تناسقاً وانسجاماً كاملاً بين أهدافها العالمية والإقليمية. ومنذ انعقاد مؤتمر بازل الذائع الصيت، وحتى الوقت الحاضر، سار المخطـط الدعائي لدولة إسرائيل في اتجاهـات متنوعة حتى تستقر صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي مثلما رسمته لنفسها كحقيقية تاريخية، ة، لذا أوجد الإعـلام الإسرائيلي والمتعاطفون معه معايير مزدوجة، حيث يؤكد روبرت كوبر الذي كان مستشاراً لرئيس الوزراء البريطاني طوني بلير للشؤون الخارجية في استخدام المعايير المزدوجة “علينـا أن نعتاد على المعايير المزدوجة، ويتعزز ذلك في
كتاب أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تأليف باسل يوسف النيراب صفحة ١٣
أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي وسائل الإعلام بتكرار الحقائق المتلقاة مقنعة بلباس الأخبار، فعلى سبيل المثال حياة البعض لها قيمة إعلامية، في حين أن حياة البعض الآخر ضئيلة القيمـة، ومقتل من هم منا يعد جريمة والباقي ليسوا بشرا، هذا في الواقع ديدن ممارسات دولة إسرائيل ونهجها في التخطيط الإعلامي. وفي سبيل ذلك تظهر الدعاية الإسرائيلية بعـدة وجوه، حيث تؤكد دائماً على الطابع الإيجابي لليهود في فلسطين، ومن أساليبها الأسلوب النفسي حيث تلجأ إلى التأثير عبر إثارة انفعالات معينة، مثـل القلـق وإظهار تعبيرات الخوف عنـد الحديث عـن الإرهاب الإسلامـي وخطورته على العالم، والإحباط من أن الأجهزة الأمنية والعسكرية الأمريكية، ودول العالم الحر لا تساعد إسرائيل بالقدر الكافي حتى تنجح في محاربة الإرهاب. وأسلوب التكرار في وصـف العـرب بالمتخلفين والنازيين، والمقاومة الفلسطينية بالإرهـاب، ووصـف دولـة إسرائيل بأنها ديمقراطية وجزء مـن الحضارة الغربية، كذلك التحويل من أفكار مألوفـة إلى العكس، ومثال ذلك العربي المتسامح هو عربي سلبي يخضع للسلطة المستبدة، والمسلمون المتسامحون هم الذين يقومون باضطهاد الأقليات.
كتاب أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تأليف باسل يوسف النيراب صفحة ١٤
اشتملت الدعاية الإسرائيلية على جميـع أدوات الاتصال، ولم تكتف بأداة واحدة في أي موقف من مواقـف التوجيه، واستغلت في ذلـك الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والإنترنت، لتقوم تلك الوسائل بتبرير ممارسات الاحتلال والهجوم المستمر على الحقوق الفلسطينية، بهدف ترسيـخ صـورة نمطيـة سلبية عـن القضية الفلسطينية. إن نجاح الدعاية الإعلامية الإسرائيلية يتضح من دعم سياسة التوسـع الإسرائيلية، فمن الواضح أن الادعاءات الإسرائيلية في مجمـل تصرفاتها كانت جـزءاً أساسياً من الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام الرئيسية ومصادر الأخبار في الغـرب. وإلا كيف يفسـر تـحـول شارون في الإعلام الغربي إلى رجل دولـة؛ بل أصبح رجـل السلام كمـا سماه جـورج بوش الابـن، وتتناسـي أن شارون هـو المسؤول الأول عن مجـازر قبيـة (١٩٥٣) ، وصبرا وشاتيلا (١٩٨٢م)، وأنـه مـن وضـع سياسة الاغتيالات الفردية كعنصر رئيس في الاستراتيجية الإسرائيلية لقمـع المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير حصـول شمعون بيريز على جائزة نوبل للسلام وهو المسؤول الأول عن مجزرة قانا، وغيرها.
كتاب أولويات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تأليف باسل يوسف النيراب صفحة ١٥
