نظريات الإعلام : المتتبع لنظريات الإعلام وأساليب التأثير يجدها تتداخل مع بعضها وتـدور حلقة دائرية وعندما تظهر نظرية تحل محلها نظرية أخرى تناقـضها أو لا تتفق معها بل تلغيها.. ومع تعدد النظريات ومسمياتها إلا أننـا نـوجز بعـض النظريات المتوافقة مع منهجنا ونبدأها
بـ: – أساليب التأثير ونظرياته :
الأسلوب الأول: التأثير المباشر أو قصير المدى.
ترى هذه النظرية أن علاقة الفرد بمضمون الوسيلة الإعلامية، هي علاقة تأثير مباشر وتلقائي، فالإنسان الذي يتعرض لأي وسيلة إعلامية سواء كانـت جريدة أو إذاعة أو تلفزيون، يتأثر بمضمونها مباشرة وخلال فتـرة قـصيرة، فمثلاً: إذا ما شاهد الإنسان في التلفاز مشاهد قتل وعنف، فإنه بالضرورة بنـاء على هذه النظرية سوف يحاكيها ويحاول تطبيقها في واقع حياته. سـمـي هـذا المنحنى في دراسة تأثير مضمون وسائل الإعلام بـ(نظرية الحقنة)، أو (نظرية الرصاصة) في بحوث أخرى، واستمدت هذه النظرية من الحادثة التي حـدثت في عام ١٩٣٩، حينما انتاب الهلع بعض سكان الولايات المتحدة عندما اعتقدوا أن هناك غزوا قادماً من المريخ فتدافعوا بالآلاف إلى الشوارع وكـان هـنـاك عوامل فنية وأخرى نفسية ساهمت في صنع حالة الهلع التي تعرض لها سكان نيويورك إثر استماعهم لذلك البرنامج الإذاعي، وهذا ما يدل على أثر الوسـيلة الإعلامية في نفسية الإنسان وسلوكه.
كتاب الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٢
الأسلوب الثاني: التأثير على المدى الطويل أو التراكمي.
يرى هذا الاتجاه في تفسير علاقة وسائل الإعلام بالجمهور، أن تأثير مـا تعرضه وسائل الإعلام على الناس يحتاج إلى فترة طويلة حتى تظهر آثاره من خلال عملية تراكمية ممتدة زمنياً، تقوم علـى تغييـر المواقـف والمعتقـدات والقناعات، وليس على التغير المباشر والآني لسلوك الأفراد إذ تساهم (مصادر سائدة) كالبيت والمدرسة وغيرهما من مؤسسات المجتمع في عمليـة التنشئة الاجتماعية للأفراد، ولكن يمكن باستمرار تعرض الفرد لتأثير وسائل الإعـلام أن يحمله على تبني أفكار جديدة وقيم مختلفة .. وتتفاوت بين شخـصية فـرد حسب استعداده وميوله النفسية والاجتماعية. وآخر الأسلوب الثالث: نظرية التطعيم (التلقيح). تشبه نظرية التطعيم مفهوم التأثير على المـدى الطويـل، لأن التعـرض المتواصل لبعض ما تبثه وسائل الإعلام يولد نوعاً من التبلد وعدم الإحساس أو ما نسميه بـ(الحصانة).
إن الجرعات المتتالية من المفاهيم والقيم التي نتلقاهـا من وسائل الإعلام تشبه الأمصال التي نحقن بها (الأمصال الإعلاميـة) لكـن (التطعيم) يعطي المناعة و(الحصانة) ضد كل ما تقدمه وسائل الإعـلام مـن موضوعات مثيرة.
الأسلوب الرابع: نظرية التأثير على مرحلتين (الاتصال الشخصي).
تقول الفرضية: أن تدفق المعلومات من وسـائل الاتصال الجمـاهيري يستقبلها قادة الرأي في المجتمع، الذين ينقلون هذه المعلومـات بـدورهم إلـى الجمهور من خلال اللقاءات الشخصية والمناقشات التي تدور بينهم، ثم تبلورت
كتاب الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٣
هذه الفرضية في نظرية جسدها لازارفيلد وكاتز في كتابهما (التأثير الشخصي) أكدا فيه أن محور هذه الفرضية هم قادة الرأي الذين يمثلون الوسيط في تـدفق المعلومات من وسائل الاتصال إلى الجماهير، وقدما تعريفاً لمـصطلح (قـادة الرأي) بينا فيه أن هذا الصنف من الناس الذين يمثلون دور الوسيط في انتقـال المعلومات من وسائل الاتصال إلى الجماهير ليست لهم صفات شخصية تميزهم عن غيرهم، بل إنه مصطلح يطلق على كل من له دور في عمليـة الاتـصال الشخصي. وإذا كان دور قادة الرأي في الدراسات المبكرة عن أثـر الاتصال الشخصي ينحصر في تقديم المعلومات التي تبثها وسائل الإعلام إلى الجمهـور أي هو دور الوسيط، إلا أن الدراسات التي أعقبتها أكدت أهمية هذا الصنف من القائمين بالاتصال في:
۱- تقدیم شرح وتفصيل للمعلومات التي تبثها وسائل الإعلام الجماهيريـة وعدم الاقتصار على النقل.
۲- وهو الأهم ، تقديم أراء أخرى مغايرة للمعلومات والآراء التي تبثهـا وسائل الإعلام المختلفة عنها.
الأسلوب الخامس: نظرية تحديد الأولويات. استعير اسم هذه النظرية من فكرة (جدول الأعمـال الـذي يبحـث فـي اللقاءات والاجتماعيات. والذي يطلق عليه (أجندة). وفكرة هذه النظرية تقـوم أنه مثلما يحدد جدول الأعمال في أي لقاء ترتيب المواضيع التي سـوف على تناقش بناء على أهميتها تقوم وسائل الإعلام بالوظيفة نفسها، أي لهـا جـدول أعمالها الخاص أو (أجندتها) .. جدول أعمال وسائل الإعلام هذا هو ما تبثه من
كتاب الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٤
برامج وما تعرضه من مواضيع حتى يبدو للجمهور أن هذه البـرامج أو هـذه المواضيع أهم من غيرها وأولى بالاهتمام. إن فلسفة نظرية (تحديد الأولويات) تلتقي مع القول المشهور لأحد علماء الاتصال وهو (أنه مهم جدا لدرجـة أنـه حاضر دائماً في في وسائل الإعلام، والآخر تافه للحد الذي لا يرى إلا نادراً فـي وسائل الإعلام).
إن تأثير وسائل الإعلام على الجمهور من خلال ترتيـب الأولويـات أو (وضع الأجندة)، يتم من خلال اختصار الحصيلة المعرفية للجمهور على مسائل محددة لا تعدو في الغالب، البرامج الرياضية والترفيهية والمواضيع العاطفيـة مثلاً، كما أنها تقدم للجمهور قدوات مزيفة من عناصر المجتمع الهامشية وغير المنتجة. إن إدمان الجمهور على استهلاك المواد الإعلامية التي تقدمها وسائل الإعلام على أساس (أجندتها) يؤدي إلى مشكلة وإلى تأثيره بما تشتمل عليه تلك المواد من قيم وأنماط حياة وسلوك، وهذا وجه آخر للتأثير التراكم لوسـائل الإعلام.
الأسلوب السادس: نظرية حارس البوابة. يلعب حارس البوابة (الإعلامي) دوراً هاماً ومؤثراً في عمليـة انـسياب المعلومات إلى الجمهور .. ويتحكم فيها من ناحيتين:
1- الناحية الأولى: تتحكم الاعتبارات الشخصية لحارس البوابة في صنع ما يشاء أو إدخال ما يشاء من مـواد إعلاميـة، وقـد تكـون تلـك الاعتبارات الشخصية سياسة إعلامية مقصودة يراد من خلالها إحداث تغير ثقافي أو اجتماعي في الجمهور المستهدف.
كتاب الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٥
۲ – الناحية الثانية: هي من خلال ما يحجبه الحـارس الإعلامـي عـن الجمهور فإذا كان قد سمح بمرور رسائل إعلامية معينـة، فإنـه قـد حرمهم من الأخرى. ويؤكد هذا المفهوم: (الأكثر أهمية ليس الذي تـم عرضه على الجمهور بل ذلك الذي لم يتم عرضه) وفي هذا إشـارة إلى أن وسائل الإعلام قد تلجأ أحياناً إلى حجـب الحقيقـة أو المـواد الإعلامية التي يحتاجها المجتمع لدعم ثوابته الثقافية وحمايـة بنيانـه الاجتماعي ودفع عجلة التنمية بخطى منسجمة مع تلك الثوابت وذلـك البنيان.
الأسلوب السابع: نظرية الاستخدامات والإشباع.
ترى النظرية أن الجمهور يستخدم المواد الإعلامية لإشباع رغبات معينة لديه، قد تكون الحصول على معلومات الترفيه أو التفاعـل الاجتمـاعي ، أو حتى تحديد الهوية. إن نظرية الاستخدامات والإشباع تفرض أن دور وسـائل الإعلام لا يعدو تلبية وإشباع رغبات كامنة أو معلنة لدى أفـراد الجمهـور. وبناء على هذا الافتراض فإن الشخص الميال لقضايا الحـب والمغامرات العاطفية لن يمنعه عرض التلفزيون لبرامج تتعرض لهذه القضايا بالنقد مـن البحث عنها في مصادر أخرى.
ومن الواضح أن هذه النظرية تنطلـق مـن مفهوم (التعرض الاختياري) في علم الاتصال. وتفسير هذا المبدأ أن الإنسان يتعرض مختاراً لمصدر المعلومات (وهو هنا وسيلة الإعـلام) الـذي يلبـي رغباته ويتفق وطريقته في التفكير، ولأن هذه النظرية ولأن هذه النظرية نشأت في الغرب وفي أمريكا بالذات فهي متأثرة بالجو الليبرالي أو مناخ الحرية السائد هناك والذي
كتاب الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٦
نادی به المفكر الإنكليزي (جون ستيورات مل) في قانونه الشهير (الـسوق الحرة للأفكار) الذي يقوم على الكسب المادي دون أي ضابط أخلاقـي، أي مفهوم التعرض الاختياري الذي تقوم عليه النظرية يصبح منطقياً في مجتمع يسمح بعرض كل شيء من العنف والجريمة إلى الإباحية والشذوذ الجنـسي باسم الحرية الفكرية وحرية التعبير.
الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٧
ثانياً- النظم الإعلامية في المجتمع :
تتباين النظم الإعلامية تبعاً للمجموعـات الـسائدة وأساليب نظرياتهـا الإعلامية المنبثقة طرق تأثيرها .. ويمكن أن تقسم تلك النظم الإعلامية وطبيعة تلك المجتمعات إلى:
1- نظم الإعلام في المجتمعات الشمولية.
۲- نظم الإعلام في المجتمعات الديمقراطية.
۳- النظام الإعلامي في المجتمع الإسلامي.
أولا: نظم الإعلام في المجتمعات الشمولية. تنطلق علاقة حكومات المجموعات الشمولية و النظم الإعلامية السائدة فيها على محورين أساسيين:
۱- موقف الأنظمة السياسية الشمولية من حق المواطن في إنشاء وتملـك الوسيلة الإعلامية.
۲- موقف هذه الأنظمة من طبيعة الممارسة الإعلامية و الرقابة عليها. كتاب
الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٧
فالمجتمعات التي تحكمها الأنظمة الشمولية وغالبهـا مجتمعـات (العـالم الثالث) تتفاوت نظرتها إلى هذين المحورين ولكنها لا تخرج في الغالـب عـن المواقف الثلاثة الآتية:
1- عدم السماح للمواطنين بتملك الوسيلة الإعلاميـة، والمـشتغلون فـي وسائل الإعلام الحكومية خاضعون لسياسات رقابية صارمة لخدمـة النظام السياسي، ولا تتيح مجالاً للنقد أو مساحة للمشاركة السياسية وهذه فلسفة ذلك النوع من الأنظمة الشمولية التي تـرى أن وسـائل الإعلام يجب أن تكون لسان الدولة وخاضعة لسيطرتها.
٢- السماح للمواطنين بتملك وسائل الإعلام المطبوعـة مثـل الـصحف والمجلات، على أن تبقى الإذاعة والتلفزيون مملوكة للنظام الـسياسي وتحت إدارته ورقابته الذاتية، باعتبار أنهما جهازان رسميان، ما يبث فيهما يعبر عن سياسة الدولة، ولا يعني ذلك حرية ممارسـة العمـل الإعلامي في الوسائل المطبوعة بعيداً عـن رقابـة الدولـة.
بـل إن العاملين فيها خاضعون لأنظمة وقوانين تضبط العمل وتفرض الرقابة عليه، وهذه القوانين تخدم النظام السياسي وإن أعطت وسائل الإعلام مساحة نسبية من حرية الرأي والتعبير فهـي تعـاني مـن الرقابـة السياسية.
وهذه الرقابة هي (من أعتى المشكلات التي تعـاني منهـا وسائل الاتصال، وتتمثل في تعطيل المطبوعات بعدم نشرها وتوزيعها وبدلاً من أن تكون وسائل الاتصال هذه أدوات وقنوات للتعبير عـن مشاركة الجمهور في الحياة العامة فإنها تصبح (صوتاً) رسمياً معبراً كتاب الإعلام
الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٨
عما تريده السلطة السياسية فحسب) وهذا النوع هو الغالب والسائد في المجتمعات النامية.
3- السماح للمواطنين بتملك وسائل الإعلام المطبوعة مع بقـاء الإذاعـة والتلفزيون تحت سيطرة النظام. وهذا النوع من النظم الإعلامية شبيه بالذي قبله ، إلا أن الفارق الجوهري بينهما هو مساحة الحرية المعطاة للصحفيين، إذ تتمتع وسائل الإعلام المطبوعة في هذا النوع من النظم بقدر من الحرية في ممارسة المهنة بعيداً عن الرقابة الصارمة التـي تمنع الرأي الآخر، وتحول دون المشاركة الحقيقية للمواطنين فـي العملية السياسية من خلال وسائل الإعلام.
ثانياً: نظم الإعلام في المجتمعات الديموقراطية. تقوم نظم الإعلام في المجتمعات الديموقراطية على أساسين
١- مجتمع السوق Market Society۔ ٢- ومبدأ المشاركة Participation. ويعني مجتمع السوق هو أن المجتمع يمثل سوقاً حـرة للأفكـار Market Place of Ideas ، والفلاسفة الليبراليون الذين أسسوا لهـذا المـصطلح فـي مجتمعاتهم يقولون إن المجتمع لابد أن يكون بمنزلة السوق الحرة للأفكار، وما هو رديء يصاب بالكسل ويضمحل، وهذا المفهوم ينطلق من الفرضية التـي تقول: إن المواطنين هم أعضاء قادرون على التمييز بين هذين النوعين. ومعنى المشاركة Participation أن المواطنين هم أعـضاء مـشاركون فـي العمليـة الديمقراطية. ومن طرائق مشاركتهم الفاعلة ضمان حريتهم في التعبير عن كل كتاب
الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٤٩
ماله علاقة بحياتهم الخاصة وكل ماله علاقة بشؤون المجتمع الذي يعيشون فيه بالوسائل التي يريدونها. ومن هذين المصطلحين اشتقت كثيـر مـن المفـاهيم الإعلامية.
فمن المصطلح الأول وهو (مجتمع السوق) تبنت السياسات الليبرالية نظماً إعلامية تكفل حرية تدفق المعلومات لهذه السوق (المجتمع) ومن أبرزهـا رفع القيود الحكومية عن حرية تملك الأفراد لوسائل التعبير المختلفة.
فكانت هناك الملكية الشخصية لوسائل الإعلام والملكية المختلطة وغيرها من أنـواع الملكية التي منحت المواطنين حق التعبير وحرية الكلمة ورفع الرقابـة عـن النشر إلا في حدود ضيقة جداً.
ومن مبدأ المشاركة Participation ظهرت مفاهيم إعلامية مرتبطة بوظائف وسائل الإعلام في المجتمعات الديمقراطية مثـل مراقبـة وسـائل الإعلام للحكومة والمسؤولين ومحاسبتهم لتحقيق المصلحة العامة للمجتمع، والتنشئة السياسية وهي وظيفة رئيسة من وظـائف الإعـلام فـي الـنظم الديمقراطية والتنشئة الاجتماعية وغيرها من الوظائف التي تؤديها وسـائل الإعلام كنوع من المشاركة في العملية السياسية وتضمن الحرية التي تسود المجتمعات الديموقراطية مجموعة من الحقوق تخول (الفرد القائم بالاتصال) والمؤسسة الإعلامية مزاولة العمل الإعلامي، من هذه الحقوق حرية الرأي وحرية التعبير، وحرية ملكية وسيلة الاتصال وحرية المشاركة السياسية، وحرية المجتمع، وحرية مزاولة مهنة النشر والتوزيـع بـدور إذن مـسبق للحصول على رخصة نظامية (في الوسائل المطبوعة على وجه الخصوص والحماية القانونية للإعلام) وحرية الإعلامي في الحصول على المعلومـات والاتصال بمصادرها.
كتاب الإعلام الدبلوماسي والسياسي تأليف الدكتور مجد الهاشمي صفحة ٥٠
