حرية الصحافة بين أخلاقية المهنة والنصوص
لقد أصيبت الصحافة بشيء من الانحراف وأصبحت هدفاً للاستغلال مـن طـرف أصحاب رؤوس الأموال، وأخـذت المؤسسات الإعلامية تعمـل علـى إرضـاء المشاهدين والقراء متناسية الهدف الأساسي للإعلام، والأمل أن يلتزم الصحفيون بدون أي تشريعات تضعها الدولة بمواثيق اختيارية لأخلاقيات المهنة، وترى دول أخرى أن لا تستند فقط على الضمير الصحفي وإحساسه الوطني بل الضروري أن تتضمن تشريعاتها وقوانينها الإعلامية ويلزم الصحفيين للحفاظ على مقومات المجتمع، وعدم نشر الأخبار والمواضيع التي تعرض أمن وسلامة الدولة إلى الخطر، وعدم التعرض أو المساس بالمبادئ والقواعد الأخلاقية لمهنة الإعلام إنصافاً للسلام والإنسانية.
(ويلاحظ أن الغزو الثقافي أو “غزو العقـول” ملازم للقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، مما جعل الولايات المتحدة هي الدولة الأقوى في استعمال هذا الأسلوب ، وهذا ما يفسر العدد الهائل للوكالات والإدارات والأجهزة الأمريكية العاملة في خدمة هذا الميدان، وصور إلى هيمنة النمط الأمريكي في السلوك والتفكير على أوسع بقعة في العالم، بمـا فيهـا أوروبـا ذاتهـا)، ويؤكـد غـسان العـزي في بحثه (جـذور العولمـة وإشكالياتها)، “إن الأساس الثاني الذي ترتكز عليه العولمة بعد الاقتصاد هـو الإعلام والاتصال، وقد أفرز التطور الهائل لتقنيات الإعلام والاتصال، على المستوى الكوني ظاهرة تحول حضاري، ويترك العصر الصناعي ومجتمع الاستهلاك، تدريجياً مكانهما
كتاب إدارة المؤسسات الإعلامية الدكتور عطا الله احمد شاكر صفحة ١١٠
لما يسمى “مجتمع الاتصال”، والهيمنة الأمريكية على التقنيات في هـذا المجـال تقـود العالم إلى أشكال جديدة من التبعية الثقافية، فالثقافة الأمريكية تنتشر في المعمورة وتفرض نفسها ليس في الجنوب بل في أوروبا أيضاً)، أما موضـوعة الهوية الثقافية والغزو الثقافي… الخ، فهي مواضيع تبدو أنها تراجعت إلى الوراء بفعل العولمة والتكنولوجيا المتطورة وهذا ما ذهب إليه الباحث والإعلامي المغربي يحيى اليحياوي إذ يقول “والمقصود أن ما يسمى بالخصوصية الثقافية لم يعد، في ظل العولمة والشمولية ، فضاء مستقلاً بذاتـه بـقـدر مـا أصـبـح جـزءاً مـن سـوق عـالمـي يـتحكم فيـه منطـق رأس المال المتعـدد الجنسيات، وتتكرس في عمقه أطروحة الأحادية الثقافية.. وهـو مـا يعمل على تمريره باستمرار ما يسمون بـ “أسياد العالم”. من هنا تأتي أهمية أن يتحمل الإعلاميون مسؤولية العمل الجاد لوضع ضوابط على عملهم لتوحيد جهودهم وتحمل المسؤولية إزاء الرأي العام وحقوقه والمصالح الوطنية والقومية للأمـة وكـذلك الحفـاظ علـى السلام، يقـول الـدكتور مختـار تـهـامي “في الصحافة والسلام العالمي نحـن نلقـي علـى عوامـل الأسـرة الصحافية العالمية مسؤولية ضخمة، ونطالبها باسـم شـرف المهنة الصحافية، وباسم الإنسانية وباسم الشعوب التي وقفـت فيهـا واعتمدت عليهـا أن لا تخـون هـذه الشعوب في المرحلـة الحـرجـة مـن تـاريخ مجتمعنـا الـدولـي الحـديث، بـل مـن تـاريخ الجنس البشري بأجمعه، وأن تتقـدم إليـه بالحقيقة الكاملة عن الأوضاع والتيارات التي تسيطر على مجتمعنا الدولي المعاصر وتتحكم في حياة الملايين، ورفاهيتهم وطمأنتهم دون مجاملة لأحد أو رهبة من أحد”. وكانـت الـدول العربيـة قـد تنبهت إلى ذلك ووضعت بعض القوانين لهذا الغرض ولكن ما أثار الانتباه هـو الميثاق الذي أصدره وزراء الإعلام العرب وأسمـوه ميثاق شرف إعلامي عربي قومي، ونرفق نصه هنا للفائدة وهو كما يلي: ( اجتماعات وزراء الإعلام العرب وتنفيذاً لميثاق التضامن العربي الصادر عن مؤتمر القمة بالدار البيضاء في 1965/9/15 وانطلاقاً مـن سـائر التوصيات والقرارات الصادرة عن المؤتمرات القمة ومجلس جامعة الدول العربية ومجلس وزراء الإعلام العرب التي استهدفت إيجاد سياسة إعلامية بناءة على الصعيدين القومي والإنساني.
كتاب إدارة المؤسسات الإعلامية الدكتور عطا الله احمد شاكر صفحة ١١١
والتزامـاً بتوصيات اللجنة الدائمة للإعلام العربي، في دورتـي انعقادهـا الثلاثين والحادي والثلاثين والتي نصت على ضرورة وضع ميثاق شرف إعلامي عربي قومي، وعملاً بالمواثيق والاتفاقات الدولية، واستلهاماً لنصوص المواثيق والاتفاقات العربية، وإيماناً بالدور الكبير للإعلام في تعبئة الرأي العام في الوطن العربي لتقرير المصائر القومية في هذه المرحلة الدقيقة الحاسمة من تاريخ العرب المعاصر، وصولاً إلى تحقيق الوحدة العربية.
وحفاظاً على الرسالة الإعلامية وسمو أهـدافها الوطنية والقومية والإنسانية وفي ضوء التطور السريع الذي طرأ على وسائل الاتصال بين الدول والشعوب والأمر الذي يسر المزيد من تقصي المعلومات وتبادلها وتصميمها، وفرض نظرة جديدة على الإعلام بصفته عملاً رائداً ذا رسالة حضارية أساسية بعيدة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، فقد تم الاتفاق على إعلان ميثاق الشرف الإعلامي الآتي نصه:
أولاً في المبادئ العامة :
المادة الأولى: يقـوم الإعـلام علـى حقين حق التعبير وحـق الإطـلاع وهـو يكمن بالتالي في صلب كـل نـشاط إنمائي على صعيد المعرفة والثقافة والتربيـة ولذلك تعين عليه أن يعمل على تأكيد القيم الدينية والأخلاقية الثابتة والمثل العليا في التراث البشري وأن ينشد الحقيقة المجردة في خدمة الحق والخير ويسعى إلى شد الأواصر وتعميق التفاهم والتفاعل والتبادل مادياً ومعنوياً في المجتمع العربي والدولي.
المادة الثانية : إن حرية التعبير شـرط أساسـي للإعلام الناجح وهـي مكسب حضاري تحقق عبر الكفاح الإنساني الطويل وجزء لا يتجزأ من الحريات الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولكن المسؤولية شرط أساسي لممارسة هذه الحرية بحيث لا تتجاوز حدود حريات الآخرين.
ثانياً- في المسؤوليات:
المادة الثالثة : تتحمل وسائل الإعلام العربية مسؤولية خاصة تجاه الإنسان العربي وهي تلتزم بأن تقدم له الحقيقة الخالصة الهادفة إلى خدمة قضاياه وأن تعمل على
كتاب إدارة المؤسسات الإعلامية الدكتور عطا الله احمد شاكر صفحة ١١٢
تكامل شخصيته القومية وإنمائها فكرياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً وإظهار حقوقه وحرياته الأساسية وترسيخ إيمانه بالقيم الروحية والمبادئ الخلقية الأصلية وعلى تربية الشباب على احترام حقوق الإنسان والاعتداد بشخصيته القومية وتنمية حس الإنسان بواجباته تجاه مجتمعة ووطنه وأمته العربية. _
المادة الرابعة : على وسائل الإعلام العربي أن تعترف بـالوطن وتراثه وتاريخه وإمكاناته البشرية والمادية والمعنوية وعدالة قضاياه الأساسية.
المادة الخامسة : تحرص وسائل الإعلام العربية على مبدأ التضامن العربي في كل ما تقدمه للرأي العام في الداخل والخارج، وتسهم بإمكاناتها جميعاً في تدعيم التفاهم والتعاون بين الدول العربية وتتجنب نشر كـل مـا مـن شـأنه الإساءة إلى التضامن العربي وتمتنع عن توجيه الحملات ذات الطابع الشخصي.
المادة السادسة: تحـرص وسائل الإعلام العربيـة علـى رفـض مبـادئ التمييـز العنصري، والعصبية الدينية والتعصب بجميع أشكاله وهـي تناضل في سبيل المبادئ العادلـة وحـق الـشعوب في تقريـر مـصيرهـا وحـق الأفـراد في الحرية والكرامة، وكذلك تلتزم وسائل الإعلام العربية بالنضال ضد الاستعمار بجميع أشكاله والعـدوان بمختلف أساليبه وبمساندة الشعوب الناميـة ودول عـدم الانحياز وبالتنسيق مع أصدقاء العرب من رجال الإعلام للتأثير على مراكز القوة في الرأي العام العالمي لما فيه خير العرب وخير أصدقائهم.
المادة السابعة : يلتزم الإعلاميون العرب بالصدق والأمانة في تأديتهم لرسالتهم ويمتنعون عن إتباع الأساليب التي تتعرض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للطعن في كرامـة الـشعوب مـع احـترام سيادتها الوطنية واختياراتها الأساسية وعـدم التدخل في شؤونها الداخليـة وعـدم تحويـل الإعلام إلى أداة للتحريض علـى استعمال العنف وعدم التجريح بالنسبة لرؤساء الدول والانحراف بالجـدل عن جادة الاعتدال حرصاً على قدسية الرسالة الإعلامية وشرفها.
المادة الثامنة : يلتـزم الإعلاميـون العـرب بالصدق والموضوعية في نشر الأنباء والتعليقات ويمتنعون عن اعتماد الوسائل غير المشروعة في الحصول على الأخبار
كتاب إدارة المؤسسات الإعلامية الدكتور عطا الله احمد شاكر صفحة ١١٣
