المؤسسات الإعلامية العربية: واقع… وآفاق:
تعد الثورة الإعلامية بأشكالها وصيغها المختلفة واحدة من السمات البارزة التي تميز عصرنا الراهن، والثورة هـذه عامة نوعية، تشمل المفاهيم والتقنيات ، تتناول المنتج والمتلقي، لا تتجلى تبعاتها في الميدان السياسي وحده، بل في الميادين الأخرى بأسرها ، ثورة تتجسد في أجهزة منتشرة في كل مكان، كانت في منظـور الماضي القريب مجـرد بدعة خيالية ليس إلا، لكنها أصبحت عبر زمن قياسي في متناول القسم الأكبر من الناس، يتعامل معهـا الفـرد مـن خـلال هاتفه النقال، أو القنوات الفضائية التي تجلب إليه العالم بزواياه اللامتناهية، أو أجهزة الحاسوب
سواء المنزلية منها أو المكتبية أو تلك التي تضمها مقاهي (الانترنت)- الحاسوب
كتاب إدارة المؤسسات الإعلامية الدكتور عطا الله احمد شاكر صفحة ٢٤٥
التي غدت ظاهرة اجتماعية جديدة في عالمنا المعاصر، تنتشر بفعل شرطي العرض والطلب.
ولعله من نافل القول هنا أن نشير إلى واقعة إمكانية الاستخدام المختلط- على الصعيد القيمي لحصيلة الثورة الإعلامية هذه، وما نعنيه بذلك هـو إمكانية استخدام التقنية الحديثة في سياقات مختلفة، تتناغم مع منظور الجهود التي تريد توظيـف الإمكانيات في إطـار ينسجم مع نوازعهـا وتوجهاتهـا بصرف النظـر عـن طبيعتها، سواء مـن جهـة الحجم أو الامتداد ، وهـذا فحـواه أن جميع القـوى، سـواء الخيرة أو الشريرة، السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، أو غيرهـا… في مقدورها الاستفادة من ثمار التقدم المطرد المذهل المتفاعل في ميدان الإعلام، هذا الميدان الذي يعد بحق عاملا من تلك العوامل التي غدا عالمنا الكبير بفعلها مجرد قرية إعلامية ، لا تعرف الحدود والمسافات. ولكـن مـا هـو الحال بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية العربيـة؟ مـاذا عـن واقعها الراهن وآفاقها المستقبلية؟ هـل ترتقـي هـذه المؤسسات إلى مستوى التحديات التي يجابهها المجتمع على مختلف المستويات؟ أم أنها هي الأخرى لا تعد في أحسن الأحوال سـوى الوجه الآخر المكمل للمؤسسة السياسية العربية، تناط بـه مهمـات التعمية والتسويغ والتجميل؟
أسئلة كثيرة تبرز هنا وهناك، تمتد بجذورها إلى إشكالية الموقف برمته، ومن اتساع البون بين الواقع والطموح، وما يبدو لنا أن المطلوب هنا ليس الإجابة عن الأسئلة المثارة هذه، بقدر ما يستلزم الأمر تحديد قسمات الواقع الراهن للإعلام العربي، وتوصيفه، وذلك تمهيداً لاستشفاف ملامح ما يمكن اعتماده مستقبلاً بغية الوصول إلى وضع أفضل.
ولإنجاز عمل مـن هـذا القبيل، لابد من إيجاد صيغة ما لتصنيف الموجود ، صيغة تصبو إلى معرفة القائم بأبعاده المختلفة، وهـذا مـا يفـرض مسألة تعددية التصنيف إن صح التعبير
كتاب إدارة المؤسسات الإعلامية الدكتور عطا الله احمد شاكر صفحة ٢٤٦
