امـا اهـم قواعد اخلاقيات المهنة كما وجدناهـا في (الزمان) فهي:
القاعدة الاولى: وهي قاعدة النقد الذاتـي وتقوم على تحري
كتاب صحافة في بلد ملتهب أستاذ دكتور أحمد عبد المجيد صفحة ٥٥
مصـدر الاخبـار وطرق التثبت من صـدق الخبر وعـدم انخداع الصحفي ووقوعـه في الخطـأ وذلك يتطلب ان يتمتع الصحفي وتحديـدا مندوب الاخبـار بالحس الصحفي وان يكون محباً للاستطلاع وراغباً بالتعرف على الاخبار وان يتمتع بثقافة واسعة في اكثر من مجال وان يكون سريع الحركة قوي الملاحظة فضلاً على قدرته على صياغة الخبر الذي يحتوي على أكبر قدر من المعلومات في اقل عدد من الكلمـات(25) لقد كانت هذه القاعدة مهمة على خلفية الاوضاع السياسية والامنية التي شهدتها (الزمان) خلال العام الاول في بغداد،فعوامـل الانخداع والوقوع في الاغلاط متعددة. فقد كان متوقعاً وطبيعيا ان يكذب المصدر طمعا في مكسب ذاتي او ميـلا نـحـو فئة او طبقة او ثـاراً من جماعة. لقد كان الانقلاب في العراق صاعقاً بحيث دفع جل الصحفيين الى محاولة دفع تهمة الشبهة عن انفسهم او بلوغ غاية واقعية تتمثل بالحصولعلى فرصة عمـل امـام كـم غير معتـاد من الصحف بلغ نحو 160 صحيفة مع هي ان جل هذه الصحف كانت مدفوعة او مستاجرة او تتحـدث بلسان غيرها. وفي خضم ذلـك كان على العاملين في (الزمـان) ان ينأوا عن الحديث بلسان آخرین او عد انفسهم اجراء، كانت القاعدة الذهبية التي اعتمدتهـا (الزمان) هي (الجميع شركاء في مؤسسة تسوق الحقيقة وتحمل بضاعتها النـور والامل) وفي خضم العتمة والتصفيات الجسدية والارهاب كانت (الزمان) تحمل قنديلا وترى ان ثمة املا دائماً وجود معضلة
كتاب صحافة في بلد ملتهب أستاذ دكتور أحمد عبد المجيد صفحة ٥٦
القاعدة الثانية: وتتمثل في الابتعاد عن التشيع والتعصب للآراء والاحكام المرتجلة والتزام الموضوعية في عرضس الوقائع، ومازلنا نتذكر الكلمات التي قالهـا رئيس تحرير (الزمان) بالهاتف قبل يومين مـن صدورها في بغـداد(26)، ان (الزمان) منبر لجميع العراقيين وهي ملكهـم ولاتنطق الا بحقيقتهم، الحقيقة التـي غيبت في بعض وسائل الاعلام ولاسيمـا الفضائيات وحلت محلها صورة العراقيين ناكلي العهـود وقطاع الطرق والدموييـن ومكتفي الايدي. لقد حذا سعد البزاز حذو دوركهايم في كتابة قواعـد المنهج في علم الاجتماع وهي الابتعاد عن كل رأي مسبق بشأن ظاهرة واذا لم يلتزم الصحفي صاحب المطبوع بالموضوعية فان الاهواء والنزعات الذاتية قد تستبد به. ان الموضوعية نقيض الذاتية ولكنها لاتقوم الا بالبحث والتقصي واستيعاب المتغيرات وفهم جدل الافكار وصراع الارادات .
القاعـدة الثالثة: هـي موسوعيـة المعرفـة عنـد الحصفي لقد تأسست هذه القاعدة في (الزمان) على مبدأ اهمية وضرورة الالمام بقواعد السياسـة وطبائع الامور وذيول الظواهر وخلفيات الاقتصاد والسياسة فضلا على ضرورة التوسع في فهم مغزى ماجرى وكيف؟ واستثمار الوقت للافادة من تكنولوجيا الاتصال لسد الفجوة التي عاناها العاملون في حقل الاعلام ان هـذه القاعـدة تساعـد الصحفي على تفـادي مجرد نقل الاخبـار دون التحقق من دوافعها واثارها كمـا تساعد على تدارك مغبة الاستدراك الذي يكلف الصحيفة صدقيتها والصحفي نزاهته المطلوبة. ولقـد استوعبت (الزمـان) حقيقة كون الواقع السياسي ساخنـا وضاجا بالـرؤى والانتقادات والتطلعات. ومن المعروف
كتاب صحافة في بلد ملتهب أستاذ دكتور أحمد عبد المجيد صفحة ٥٧
ان الافراد الذيـن يشغلون مواقع قيادية في احـزاب او منظمات او تكتلات يقدمون المعلومات التي يحسون انها ستخدم قضيتهم او اهدافهم(28). فالفراغ واسع وماراثون الاستحواذ على الشارع العراقي على اشده. وعلى الرغم من ذلك فانه يتعين على الصحفي ان لايغريه هذا المشهد ويدرك دائما ان الاغلبية الصامتة هي اساس ترجيح المشروع السياسي المستقبلي وان الاقصاء والتهميش سياسة متسرعة ومنهكة لقوى الوطن وان اثارهـا الدموية ماثلة للعيـان وان الصحافة مهمة سامية تتمثل بالتحذير والتبشير. لقد كان بعض الصحفييـن لاينظرون الـى مـاوراء الصورة ويتعجلـون القفز على الحقائق ولكن اخلاقيات المهنة الصحفية في (الزمـان) حملت مضادات كافية جعلت كلمتها وخبرها اكثر صدقاً واقرب مدى الى الرأي العام في العراق.
القاعدة الرابعة: وهذه القاعدة هي قاعدة التشكك في الاخبار التي يلتقطها الصحفيون ويمكن عزل ثلاث خصائص محددة عدها الباحثون من المكونات التي تدخل في تحديد صدق المصدر وهي:
الاحساس بالأمان او الطمأنينة للمصدر ومؤهلات المصدر وخبرته
وكفاءته ولقد نهجـت (الزمان) نهجاً من الشـك شبيها بالشك الديكارتـي مـن اجل الصـدق وكانت القاعدة ان الظروف الراهنة تشبـه صورة تيار جارف وان كثيرا من مصادر المعلومات والاخبار وقـع تحـت وطأة التأثر بما جرى، كما ان انفتـاح المصادر السرية وعرضها للمزاد شجع على تزوير بعض الوثائق. ولقد اكتشف رئيس
كتاب صحافة في بلد ملتهب أستاذ دكتور أحمد عبد المجيد صفحة ٥٨
تحرير (الزمان) بحكم حسه الاستباقي وسعة تجربته عشرات الوثائق التي قدمت بقصد الايقاع بالغير او التشهير بهم او جر الصحيفة الى موقف سيحسب عليها في المحصلة. ولكن اظهرت( الزمان) حصانة عالية في الفرز والتثبت وفي الكشف والرفض.ولقد عرضت على (الزمـان) عشرات الوثائق والملفات وسربست اليها عشرات الاخبـار المثيرة للشبهـة والاثارة ولكـن المحاكمة الموضوعية لمضامينها واهداف اطلاقها اقصت النيات وتركت سطور الصحيفة نقيـة لاتخدع القـراء او تضحك على ذقونهم. كمـا نأت عن ايذاء كرامات المستهدفين ولاسيما اذا كانوا غير مدانين بحكم القانون. ولكي يبني الصحفي منهجه المعرفي على اساس متين يتعين عليه ان يكشـف صـدق المعلومات التي كان قد حصـل عليها مادام الشك فيها له ما يسوغه. وقد عالجت (الزمان) صياغة الاخبار في ضوء ذلك على احد الاسس التالية:
1. تناول الخبر من المصـدر ونقيضه بالاشارة اليهما على قدم المساواة.
2. استخدام ادوات الاستدراك بعد عرض الخبر من مصدر واحد مـن قبيل (ولم يحصـل تاكيد من مصدر محايد) او (الا انه لم يتسن الحصول على مصدر آخر لتأكيد ذلك) او اعتماد صيغة (على حد تعبير المصدر) او القول انه جهة غير معروفة.
3. الاشارة الى ان الاتهامات الموجهة الى المتورطين في اخبار الجرائم والاعتقال (مشتبه بها) او (ان المقبوض عليهم مشتبه
كتاب صحافة في بلد ملتهب أستاذ دكتور أحمد عبد المجيد صفحة ٥٩
بهـم). ان هذه الصياغة تعتمـد حتى مع الاخبار التي يكون مصدرهـا شخص او على مستوى القوات متعددة الجنسية او اجهزة الشرطة.
القاعـدة الخامسة: ولكي تقطـع (الزمان) الشك باليقين وتنقل مندوبيهـا ومحرريها من دائرة الاحتمال الى دائرة اليقين اعتمدت المعرفة العقلية كونها احد المصادر الاساسية للمعرفة فهي تستوعب جميع الاخبار ولكن لاتأخذ الا بما يقبله العقـل وترفض مادونه. ان ذلـك قـد يحرمهـا بعض الاخبار ولكـن يكسبها ثقـة القراء في الاخبار التي تنطوي على صدقية ومعقوليـة، فليس ابشع من الخبر الكاذب سـوى بشاعة التكذيب، وهذا معناه ان التـروي في نشر أي خبـر بعـد التأكد من صحة مصـدره ومضمونه كفيل بتفادي الاضطرار الى التكذيب الذي ليس لمصلحة الصحفي والمطبوعة على الاطلاق.
القاعدة السادسة: وتتمثل بعـدم المس بالآخرين او الاساءة الى كراماتهـم وسمعتهم في المجتمـع حتى لو كانـوا خصوما او منافسين(31) فـ (الزمـان) تسمح بالنقد ولكنها لاتلجـأ الى الشتيمة وعنـف الكلمة ولاسيما مع المؤسسات الصحفية والاعلامية، انها ترى أن الساحة تتسع لفرسان كثيرين ولاحاجة لتصفية او احتجاب من اجل تحقيق غاية كل صحفية وهي التميز والانتشار . ان ذلك يتيح الفرصة لدمج الجهد الصحفي مهما كان صغيرا واحترام طموحه مهما كان متواضعا واستيعابه من اجـل خدمة عامة، ولقد تحدثت (الزمان) مع الجميع على قدر متساو من الاحترام وطرحت مشروع
كتاب صحافة في بلد ملتهب أستاذ دكتور أحمد عبد المجيد صفحة ٦٠
